مقالات رأي

هل في المغرب ثروة غير القنب الهندي، وما الحل المقترح؟ – حسن المرابطي

اِعلم، أخي أختي، أنه من الطبيعي جدا الاهتمام بموضوع القنب الهندي، بالشكل الذي عليه الوضع اليوم في الساحة السياسية والإعلامية، بل حتى الساحة العلمية؛ وإنما غير الطبيعي، هو تجاهل الموضوع، واعتباره من الترف الفكري والسياسي؛ ذلك أن مناقشة موضوعنا هذا، يحمل بين طياته ما يستحق الدراسة والتأمل، حيث الاقتصار على الظاهر منه لا يخدم مصلحة البلاد والعباد.

لاشك أنه منذ زمن طويل والقنب الهندي يثير الجدل الكبير؛ غير أن الظروف التي تمر منها بلادنا، وما تزامن معها من أحداث، في زمن، يتقلد المسؤولية فيها أبناء الحركة الإسلامية، جعلت منه قضية استثنائية؛ حيث فُتح النقاش حول الدافع الحقيقي للمطالبة بتقنين زراعته، رغم ربط ذلك بأهداف طبية؛ وإنما كان فرصة لمناقشة ازدواجية الخطاب لدى من كان قبل سنوات يرى حرمة أي استعمال لهذه النبتة.

ولهذا، فإن الإحاطة بكل ما قيل حول القنب الهندي، ومحاولة الترجيح بين الأدلة لن يكون مجديا، لاسيما أن كثيرا من القيم المعتمدة سابقا لم تعد صالحة للاحتجاج بها اليوم؛ وهذا، ليس من ضعف أصابها، لكن لاكتساح تيارات، تغيرت عندها المفاهيم، وجردتها من كل شيء إلا الإبقاء على شكل المصطلحات، فأصبحت المصلحة تعني كل شيء غير المصلحة كما كانت في السابق، وهكذا مع جميع المصطلحات؛ ولعل مقارنة خطاب الأمس بالخطاب الذي يسود الساحة الإعلامية اليوم مؤشر على صعوبة إقناع جميع الأطراف، بل إن تداخل الزوايا المنظور منها، خاصة السياسية منها، يجعل من الحسم في الموضوع صعب المنال؛ وعليه، فإننا لن ننهج نفس الأسلوب، وإنما سنحاول طرح النقاش بصيغة مختلفة تماما عما ألفه غالبية المهتمين.

وعليه، فإن دعوى ربط المصلحة بتقنين زراعة نبتة الكيف باعتبارها ثروة غنية يمتاز بها المغرب، دون غيره، وتتيح له من الفرص ما يفتقده الآخر، خدعة ماكرة، قد تكون صادرة، بحسن نية، من بعض الأطراف؛ غير أن هذا يجعلنا نطرح عليهم سؤالا مهما:

“من باب الجدل، قد نقبل بدعواهم، لكن ما الخطوات التي اتخذوها أنصار الدعوى بخصوص الثروة البشرية التي وهبت نفسها للبحث العلمي، ولم تجد من يأويها، وغادرت البلاد متحسرة، أو التي وجدت في استعمال نبتة الكيف بمختلف مشتقاتها متنفسا، وانعكس حالها إلى التشرد واللامبالاة، بعدما عانت مع الأمراض بصنفيها النفسي والجسدي؟”

إن التبريرات تنوعت، حتى أوهمنا أصحابها بكون الموافقة على مشروع التقنين فيه من الخلاص ما لم يشهده بلادنا من قبل؛ غير أن واقعنا يفرض مجادلتهم بمنطقهم العجيب، ويُسائلنا جميعا على مدى جديتهم في القدرة على الإبداع في المجال الطبي، بعدما ثبت لنا أن المغرب فيه من الثروة النباتية غير المثيرة للجدل ما يستحق استعمالها في مختلف المجالات، لكن ضعف الإرادة، إن لم نقل انعدامها، حال دون الاستفادة منها؛ بل إن غيرنا استطاع استغلالها، إما بفتح فروع لشركاتهم في بلادنا، أو استيراد ما جادت بها الطبيعة عندنا، حسب المتاح.

اِعلم أن المغرب فيه من الثروات الطبيعية ما لم يلقى من الاهتمام ما يستحق؛ لكن إصرار هؤلاء على اهتمامهم بالقنب الهندي لحساسيته، مع استنكار الأوضاع المزرية التي يعيشها المزارعين لها في بلاد الريف خاصة؛ يجعلنا مرة أخرى نستحضر الواقع البئيس الذي يعاني منه سكان جبال الأطلس، بل حتى مدن الصفيح، وما المانع الذي جعل ذكائهم لم يجد حلا ينهي معاناة شريحة كبيرة من مجتمعنا المغربي، رغم الغنى الذي تمتاز بها هذه المناطق، سواء ما يتعلق منها بالثروات الطبيعية أو الثروة البشرية التي أبانت في أكثر من موقع على قدرتها على الإبداع، لو وجدت من يمد لها يد العون.

قد يصعب علينا حصر بعض الجوانب التي تستحق تصنيفها من الأولويات، ولها حق الأسبقية، حسب منطق هؤلاء؛ ولهذا، سننبههم إلى أهم موضوعين آخرين أكثر أهمية من القنب الهندي: الأول، هو أزمة الماء التي تزداد كل يوم، وتنذر بالخطر العظيم؛ حيث لم يعد أحد ينكر ذلك، لكن دون التفكير الجدي في إيجاد حل لها، أو قل: العمل على التسريع من اقترابها، وذلك بعدم نهج سياسية تُرشد إلى الاستهلاك المعقلن للمادة الحيوية؛ ولهذا فإننا نسجل انعدام أي تشريع يهم تقنين استهلاك الماء، وتوجيه الفلاحة بسن إجراءات صارمة فيما يخص أصناف من الزراعة، والتي تنهك مخزون الماء رغم اعتبارها من الكماليات؛ ولعل خير دليل ما أثير مؤخرا حول زراعة البطيخ الأحمر في زاكورة، بل إن زراعة القنب الهندي يعتبر من الزراعات التي تنخر مخزون المياه في المناطق المعروفة بها.

أما الموضوع الثاني، فيتمثل في فشل المغرب منذ الاستقلال من تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المواد الفلاحية، وعلى رأسها الحبوب والقطاني؛ الأمر الذي يدعونا إلى مساءلة الجميع عن سبب الفشل، بل عن محاولة، من يهتمون اليوم بتقنين زراعة القنب الهندي، في هذا الشأن، وما المشاريع التي اقترحوها لتجاوز هذه الأزمة، التي تجعل المغرب دائما تحت الضغط؛ حيث أن من لا يملك قوت يومه لا يسلم من اختلال التوازن عنده في امتلاك قراره؛ وبالتالي، فما الجدوى من تحقيق “الاكتفاء الذاتي” في نبتة الكيف حتى تستعمل لأغراض طبية، ونحن ينقصنا من المواد الأساسية الكثير، بل يستنزف احتياطنا من العملة الصعبة التي ينبغي استعمالها في اقتناء مواد لا سبيل لنا من امتلاكها إلا بالاستيراد، والمحروقات تصنف من إحدى أهمها.

وختاما نقول: إن دعوى تقنين زراعة القنب الهندي رغم ما تطرحه من تساؤلات كثيرة، يصعب استيعابها في مساهمة كهذه؛ إلا أن بعض الإشارات التي ذكرناها أعلاه، تجعل كل غيور على بلده، ولو آمن بأحقية الدفاع عن دعوى التقنين، يعيد النظر في كثير من السياسات؛ حتى إن انتهى به إدراك ما ينتظر بلادنا من تحديات كبرى، يجعله يُسرع في مناقشة أكثر المواضيع أهمية، بل سيحاول الاجتهاد أكثر حتى يًبدع في استغلال الثروات التي تعرضت للإهمال، بعدما تم الاهتمام بمناقشة ما بدد المجهود وضيَّع الفرص، واكتشف أن أهم ثروة وجب استغلاها هي الثروة البشرية، خاصة الكفاءات التي صارت تجد في الهجرة سبيلا لتحقيق الذات؛ فضلا عن عدم إهمال ما جادت بها الطبيعة من ثروات متنوعة، محل إجماع المغاربة، بمختلف تياراتهم الفكرية والسياسية.

اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.

المقالات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الجهة الناشرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى