علماء القرويين القضاة .. من زمن الأدارسة إلى العلويين (1)

القضاء من أهم وظائف الدولة، وهو من أهم الولايات في الإسلام. والمقصد الأول من تشريع القضاء هو إقامة العدل. إذ به يتم دفع الظلم ونصرة المظلوم، ومنع الظالم من الاعتداء على الحرمات، وبه تتحقق الأهداف العليا لبناء عدالة اجتماعية، وتأسيس حضارة عمرانية. وتاريخ القضاء بالمغرب شاهد عبر وثائقه، أن هذه الأرض الطيبة أنجبت ولا تزال قضاة حملوا الأمانة بكل مسؤولية، واستماتوا في الدفاع عن كلمة الحق، لا يخافون في الله لومة لائم. لقد استمدوا قوتهم وجرأتهم في الحق من قوة الشرع وسلطانه، لأنهم أيقنوا أن عدل ساعة خير من عبادة ستين عاما بقيامها ليلا وصيامها نهارا، وعرفوا أن الله تعالى جعل الذين يحكمون بالعدل منهم، على منابر من نور، وأنهم في ظل الرحمان يوم لا ظل إلا ظله.

موضوع هذا البحث هو إبراز إسهامات وانجازات العلماء القضاة والمفتين، الذين تخرجوا من جامع القرويين أو تولوا القضاء والإفتاء بهذا الجامع، في بناء الدولة المغربية ومساهمتهم في ازدهارها ورقيها، وذلك من زمن الأشراف الأدارسة إلى زمن الأشراف العلويين. فكلما توسعت سلطة القضاة وتنوعت اختصاصاتهم، توسعت سلطة الدولة وامتد نفوذها؛ وكلما انحصرت سلطة القضاة وتقلصت اختصاصاتهم تقلصت سلطة الدولة ولم يتجاوز نفوذها وحكمها مدينة فاس.

  • علماء القرويين القضاة في الدولة المغربية من الأشراف الأدارسة إلى الأشراف العلويين

يكتسب القضاء منزلة عظيمة في الإسلام، من مقاصده السامية، تحقيق العدل والإنصاف وحفظ الحقوق وإقامة الحدود والأحكام،[1] وهو فرض كفاية. وتطور الحضارات البشرية رهين بتطور القضاء، فهو معيار تقدمها ورمز سيادتها، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾[النساء: 58]. وخطة القضاء في الدنيا هي خطة الأنبياء، ومن بعدهم من الخلفاء. وأول من مارس القضاء في الإسلام هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾[المائدة: 42].

وعرف ابن خلدون القضاء بأنه الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع.[2] وقال ابن رشد وابن فرحون القضاء هو الإخبار عن حكم  شرعي على سبيل الإلزام.[3] والقاضي في الشريعة الإسلامية يفصل في الأمور الدينية والدنيوية وفي الجنايات والعقوبات وغيرها، ويعتبر المنفذ للأحكام بمقتضى الشرع وموافقته، وينوب عن الإمام في ذلك.[4] وقد لمس العلماء خطر وظيفة القضاء فاشترطوا في متوليه عددا من الشروط،[5] فينبغي أن يتوفر القاضي على ثلاث خصال: لا يصانع ولا يضارع  ولا يتبع المطامع.[6]

والقضاء صفحة مشرقة في تاريخ المغرب، ومن واجب الباحثين الإلمام به والتوسع  في دراسته، والتفطن إلى كتب الغرب والمستشرفين الذين ينقصون من قيمة الإسلام والشريعة الإسلامية في قدرة المسلمين على بناء مجتمعات قائمة على أسس صحيحة قادرة على التطور والاستمرارية. فقد اعتمد سلاطين وأمراء المغرب من زمن الشرفاء الأدارسة إلى زمن الشرفاء العلويين على القضاء لضمان الاستقرار السياسي والاجتماعي للمجتمع المغربي، وكان الحكام يعينون القاضي بأنفسهم، إثباتا للسلطة الدينية وإبعادا للوظيفة ولشخص القاضي عن أي تأثير خارجي. وتنحصر مهمة القاضي في الفصل في الخصومات، ويمارس الحكام مهمة النظر في المظالم.[7]

كان المغرب يعتمد على جامعة القرويين في تكوين مختلف أطره، فمنها تخرج كبار العلماء ورجال القضاء والإفتاء ممن زاولوا عملهم في مدينة فاس نفسها، أو في مدن أخرى من المغرب وإفريقية والأندلس، ومنها صدر السفراء إلى أقاصي البلاد فكانوا مثالا في الإخلاص والصراحة والنصح.[8]

اعتمد علماء القرويين في المرحلة الأولى وهي مرحلة التشييد على مؤلفات المشرق، وفي المرحلة الثانية، وهي مرحلة الأوج اعتمدوا على مؤلفاتهم. وفي المرحلة الثالثة عندما ظهرت المطابع الحجرية أخذت فاس تبعث بمؤلفاتها إلى المشرق. وقد انفرد علماء المغرب بطريقة خاصة في التأليف، تميزوا بها عن علماء المشرق، “وهذه ناحية أخرى تعطي فكرة عن تميز الشخصية المغربية، على نحو ما تميزت به في اختيار المذهب المالكي، وفي اختيار العقيدة الأشعرية، واختيار تلاوة ورش، ورواية ابن سعادة، وابتكارهم للعمل الفاسي.”[9]

وكان علماء القرويين يتبادلون المشورة مع علماء المشرق، وذلك في عهد المرابطين والموحدين والمرينين والوطاسيين والسعديين والعلويين، “ولذلك نجد لفاس ذكرا على كل لسان، ونجد للمذهب المالكي ظهورا قويا في هذه الجهات ومنها الإسكندرية، وبالرغم من أن مذهب الدولة هناك كان غير ذلك، وكل الشخصيات التي لمعت أسماؤها بالمشرق، كانت تنتسب إلى هذه القرويين: ابن العربي – ابن بطوطة – ابن خلدون – المقري.”[10] ولقد تميز علماء القرويين عن علماء المشرق على عدة مستويات منها اللباس، فكانت ملابسهم البيضاء تعبر عن أمجاد الإسلام وعزته، واللون الأبيض حاضر في التقاليد المغربية في الأفراح والأتراح، وهو اللباس الرسمي لقضاة محكمة النقض.

ظلت القرويين قلعة شامخة ترتطم عليها مخططات الاستعمار، لقد كانت وراء كل المقاومات والمواقف الشريفة “كان المحتل ينظر إليها على أنها شيء ينبغي التخلص منه.”[11] وقال الجنرال ليوطي “إذا تم لفرنسا القضاء على القرويين فقد ضمنت لنفسها الخلود في المغرب.”[12]

بقلم الدكتورة: آمنة هدار


المصادر:

[1] –  انظر محمد، الزحيلي تاريخ القضاء في الإسلام، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1998، ص:19.

[2] – انظر عبد الرحمن، بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، 2004، ص: 20.

[3] – انظر إبراهيم بن علي بن محمد، بن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، تحقيق جمال مرعشلي، دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، 1982، ص: 94.

[4] – انظر أبو عبد الله محمد بن أحمد، الفاسي، الإتقان والإحكام في شرح ثقافة الحكام المعروف بشرح ميارة، تحقيق عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية، 2000، ج: 2، ص: 9.

[5] – انظر علي بن عبد الله بن محمد، النباهي، تاريخ قضاة الأندلس (المرقية العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا)، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الأفاق، ط 5: بيروت، 1983،  ص: 7.

[6] – انظر وكيع أبوب بكر محمد بن خلف، أخبار القضاة، صححه عبد العزيز مصطفى المراغي، المكتبة التجارية الكبرى، ج 3، ص: 54.

[7] – انظر موسى، إقبال، المغرب الإسلامي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، ط ،2  الجزائر ،1981، ص: 108.

[8] – انظر عبد الهادي التازي، جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، دار النشر المعرفة، ط: 2، 2000،ج: 1، ص: 14.  

[9] –  انظر المرجع نفسه.

[10] – انظر عبد الهادي التازي، جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، دار النشر المعرفة، ط: 2، 2000،ج: 1، ص:15.  

[11] –  انظر المرجع نفسه.

[12] – انظر محمد، بلكبير، المنهاج التربوي بالمدرسة المغربية زمن الحماية الأسس والوظائف، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2003، ص: 318.

موقع الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى