علماء القرويين القضاة .. من زمن الأدارسة إلى العلويين (4)

3 – العلماء القضاة في عهد المرابطين

تطور القضاء في عهد المرابطين من وظيفة قضائية إلى نظام قضائي محكم.[1] وحظي القضاة بمنزلة كبيرة في جهاز الدولة المرابطية،[2] حيث سعى يوسف بن تاشفين وابنه علي بن يوسف لتحقيق العدالة عن طريق تعيين قضاة من كبار العلماء لضمان أمن واستقرار الدولة. واستند المرابطون في إقامة النظام القضائي على النظام الأندلسي الأموي المحكم، الذي فصل بين السلطة الإدارية والسلطة القضائية، فكانت السلطة القضائية تتمتع باستقلال كبير عن السلطة التنفيذية، وطبق هذا النظام بالمغرب والأندلس[3].

كان يوسف بن تاشفين يمثل السلطة العليا،[4] فهو الرئيس الأعلى للقضاء، وكان القاضي يمثل السلطة الفعلية، ويتمتع بسلطات واسعة لا حدود لها، وذلك إثباتا للسلطة الدينية العليا، وإبعادا للوظيفة عن تأثير الولاة.[5] فقد كان من السهل أن يحكم القاضي على السلطان نفسه، وكان في وسع القاضي أن يتدخل في اختيار العمال وعزلهم؛[6] فقد طلب القاضي ابن رشد  الجد من أمير المسلمين علي بن يوسف أن يعزل أخاه تميم عن نيابة الأندلس.[7]

 كان أمير المسلمين يصدر مرسوما بتعيين القضاة أو عزلهم، و للبلدان التابعة للدولة المرابطية حق الترشيح لمن يرونه مناسبا لمنصب القضاء في بلدهم. وإذا أراد أمير المسلمين عزل القاضي، فعليه أن يوضح الأسباب لأهل ذلك البلد. و اتبع يوسف بن تاشفين سياسة حكيمة في تعيين القضاة من غير الاستناد إلى العصبية القبلية، فقد كان أكثر القضاة من غير صنهاجة، وذلك رغبة منه في تحقيق العدالة وتطبيق تعاليم الإسلام.[8]

يعين أمير المسلمين كبير القضاة بالأندلس والمغرب، ويسمى قاضي الجماعة أو قاضي الحضرة، وهو مصطلح جديد في المغرب عرف في الأندلس، وهذا المنصب يعادل منصب قاضي القضاة بالمشرق، وهو منصب قضائي يرأس فيه صاحبه سائر القضاة، ويعد هذا المنصب بمثابة وزير العدل في العصر الحالي، ومن سلطاته الإشراف على القضاة وتوليتهم المنصب أو عزلهم عنه. وأشهر من تولى هذا المنصب ابن رشد الجد بالأندلس، وعبد الملك المصمودي بمراكش.[9] كانت سلطة قاضي الجماعة أو قاضي الحضرة قوية، حيث يتعين على أمير المسلمين أو على نائبه أن يستشيره في تعيين قضاة الأقاليم، وكان من اختصاصه رسميا أن يعزل من استحق العزل من العمال، أوله حق المطالبة بعزلهم.[10] كان هناك قاضيان للجماعة واحد يشرف على القضاء بالأندلس ومقره بقرطبة، والثاني مقره في مراكش يشرف على عمل القضاة بالمغرب، ويدعى قاضي الحضرة وهو عضو في مجلس الشورى، ويترأس هيئة القضاة. والجميع أمام القاضي سواء، وسلطة القاضي فوق سلطة الحاكم الإداري والعسكري، فهو الرقيب على الولاة والعمال التابعين له، وأمير المسلمين يقر ما يقوم به القاضي ويسانده في أحكامه. [11]

واعتمدت دولة المرابطين على مبدأ الشورى في النظام القضائي، فكان أمير المسلمين علي بن يوسف إذا ولى أحد القضاة، يعهد إليه ألا يقطع أمرا ولا يبث حكما في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء. وكان مجلس  الشورى القضائي يتكون من القاضي وأربعة فقهاء، يشاورهم القاضي قبل أن يصدر أحكامه. وكان القاضي يختار الفقهاء المعروفين بالورع والتقوى والتبحر في الفقه والعلوم الدينية والأحكام، والمشاورة وسيلة تساعد القاضي على إظهار الحق والصواب ونشر الصلاح بين العباد، يرافق اثنان من الفقهاء القاضي في مجلسه، واثنان يقعدان بالمسجد.

لقد تنوعت اختصاصات القضاة في عهد المرابطين، فكان:

-قاضي الأشراف يختص في البت في المنازعات بين الأشراف من رجال الدولة والأسرة الحاكمة، وأشهر من تولى المنصب الوزير أبو بكر بن رحيم بإشبيلية.[12]

 -وقاضي النصارى أو قاضي العجم ينظر في قضايا خاصة بأهل الذمة، وإذا كانت الخصومة بين ذمي ومسلم، فإن قضاة المسلمين هم الذين يتولون حل النزاع بينهما.[13]

– وقاضي الجند أو قاضي العسكر، يختص بحل مشاكل الجند، يرافقهم وينظر في منازعاتهم، ويشترك في القتال لحث الجند على الجهاد، حيث كان من شروط القضاء أن يكون القاضي أميرا للجيش والحرب،[14]ويصلي بهم في مواعيد الصلاة، لأن الغاية هي نشر الإسلام بين من لا يعرفونه.[15]

 كان العلماء القضاة قادة للجيش، يشاركون في الحياة السياسية والعسكرية للدولة. لقد استشار يوسف بن تاشفين علماء القرويين وقاضيها،[16] عندما استنجد به فقهاء الأندلس وقضاتها، فخرج لنصرة المسلمين بناء على فتوى علماء القرويين الذين كان يترأسهم قاضي فاس، المسؤول عن إدارة جامع القرويين، فكانت معركة الزلاقة التي استشهد فيها قاضي الجماعة بمراكش عبد الملك المصمودي،[17] لقد أطالت هذه المعركة مدة حكم المسلمين بالأندلس إلى أربعة قرون.

وتصدى علي بن يوسف للنصارى بالأندلس سنة 503هـ في منطقة مجريط (مدريد)، حيث جرت معركة سميت بمعركة القضاة، لكثرة القضاة في جيش المرابطين.[18]

وكان أمير المسلمين لا يقدم على أمر إلا بعد استشارة العلماء القضاة، فقد قام ببناء سور مدينة مراكش بإشارة من القاضي ابن رشد الجد، وعمل على توسيع جامع القرويين بالتشاور مع قاضي فاس عبد الحق بن عبد الله بن معيشة.[19]

استمد القضاة المغاربة أحكامهم من المذهب المالكي الذي ارتضاه الشعب المغربي بأغلبيته العظمى، وكان القضاة على بينة وبصيرة بكتاب الله وسنته يستمدون أحكامهم منها، ويجتهدون في القضايا  الطارئة التي لم تكن موجودة بشمال إفريقيا، وذلك لاحتكاكهم  بحضارة الأندلس. واعتمدوا على القياس في معالجة القضايا الجديدة التي طرحت عليهم، وكانوا يحكمون وفق المذهب المالكي، فقد أفتى القاضي ابن رشد الجد، وهو من خيرة قضاة المرابطين المالكين بإبعاد النصارى وتغريبهم، لأنهم غدروا المسلمين وساعدوا ملك إسبانيا ألفونسو السادس في الحرب، وأصغى إليه أمير المسلمين علي بن يوسف ونفذ حكمه، وأجلاهم من جميع بلاد الأندلس.[20]

وكان القاضي عياض يتنقل بين المغرب والأندلس، وقد زار القرويين ودرَّس بها، وأجاز عددا من العلماء، ونزل بدار القاضي ابن الغرديس بزنقة حجامة. وقد نظر في قضية أحباس نصارى الأندلس الذين أجلاهم أمير المسلمين بناءً على فتوى القاضي ابن رشد لجد، وأفتى أنه لا حرمة لأجناس أهل الذمة.[21]

أما المظالم فكانت من اختصاص أمير المسلمين أو نائبه أو قاضي الجماعة الذي كان يتعين عليه أن ينصف الناس من ظلم الولاة، لقد سبقت دولة المرابطين مجلس الأطراف الذي كان يرأسه ملك فرنسا بأربعة قرون.[22]

أما استئناف الأحكام التي يصدرها القضاة فكانت من اختصاص قاضي الرد، وهو منصب أحدثه الأمويون بالأندلس وظل قائما في عهد المرابطين، وأصبح علماء الإفتاء يحلون المشاكل التي تستعصي على القضاة أو لا يتسع وقتهم للبث فيها. وقد تولى هذا المنصب بالأندلس عبد الله اللخمي، وعلي بن الحسين اللواتي بفاس الذي جمع بين القضاء والفتيا، وعمر ما يقرب عن مائة عام، وتوفي سنة 573 هـ.[23]

يتمتع القاضي بسلطات واسعة، حيث كان تحت نظره مجموعة من الوظائف والموظفين القائمين عليها، فهو يشرف على صاحب الحسبة وصاحب الشرطة لتنفيذ الأحكام، وصاحب الصلاة الذي يحث الناس على الصلاة، ويتولى الخطبة والتدريس بجامع القرويين. ويتخذ محكمته داخل الجامع، وله أعوان وحجاب على بابه، وله كاتب خاص. وبجامع القرويين باب خاص بالقضاة، يسمى باب القضاة وهو من بين أبواب الجامع الثمانية عشر.

رفع المرابطون لواء الإسلام بالمغرب إلى الأبد وبالأندلس لمدة أربعة قرون. لقد ساهم علماء القرويين القضاة في هذا العصر في تأطير المجتمع المغربي وصياغته من الناحية الثقافية والاجتماعية، وكان لهم دور استراتيجي في بناء الدولة وازدهارها ورقيها. لقد شملت الحدود الجغرافية لإمبراطورية المرابطين، موريتانيا ومالي والمغرب والأندلس والجزء الغربي من الجزائر وأجزاء كبيرة من بلاد السودان الغربي.[24] ويعتبر هذا العصر من العهود التاريخية النادرة التي تمتع فيها علماء القرويين القضاة بالعز والجاه.

بقلم الدكتورة: آمنة هدار

لقراءة الحلقة (3) اضغط هنا


المصادر:

[1]– انظر حسن على حسن، الحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس عصر المرابطين والموحدين، مكتبة الخانجي، مصر، 1980، ص: 156-167.

[2]–  انظر نصر الله سعد ون، عباس، دولة المرابطين في المغرب والأندلس عهد يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، ص: 166.

[3]– انظر المصدر قبله، ص: 157. انظر أيضا أحمد بن محمد المقري، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ج: 1، 1988، ص: 217.

[4]– انظر على محمد، الصلابي، تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، دار الكتب الجديدة، لبنان، 2000، ص: 176.

[5]– انظر على محمد، الصلابي، الجوهر الثمين لمعرفة دولة المرابطين، دار التوزيع و النشر الإسلامية، ط: 3، القاهرة، 2003، ص: 178.

[6]– انظر على محمد، الصلابي، الجوهر الثمين لمعرفة دولة المرابطين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط: 3، القاهرة، 2003، ص: 171.

[7]– انظر إبراهيم، حركات، المغرب عبر التاريخ، دار الرشاد الجديدة، الدار البيضاء، 2009، ج: 1، ص: 200.

[8]– انظر نصر الله سعدون، عباس، دولة المرابطين في المغرب والأندلس عهد يوسف بن تاشفين أمير المرابطين، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، ص: 166.

[9]– انظر أنور محمود، الزناتي، معجم مصطلحات التاريخ والحضارة الإسلامية، دار زهران، عمان، 2010، ص: 307.

[10]– انظر علي بن عبد الله بن محمد، النباهي، تاريخ قضاة الأندلس (المرقية العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا)، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي، دار الأفاق، ط 5: بيروت، 1983، ص:97.

[11]– انظر عصمت، دندش، أضواء جديدة على المرابطين، دار الغرب الإسلامي، 1991، ص:11.

[12]– انظر محمد، الزحيلي، تاريخ القضاء في الإسلام، دار الفكر، دمشق، 1990، ص: 328.

[13]– انظر على محمد الصلابي، الجوهر الثمين لمعرفة دولة المرابطين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط :3، القاهرة، 2003، ص: 328.

[14]– انظر أبا العباس، القرافي، الذخيرة، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1994، ص:37.

[15]– انظر المرجع قبله، ص: 180.

[16]– انظر عبد الله، كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: 2، 1997، ج: 1، ص: 62- 63.

[17]– انظر محمود السيد، تاريخ دولتي المرابطين والموحدين، مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية، 2006، ص: 104.

[18]– انظر طارق، السويدان، الأندلس التاريخ المصور، الإبداع الفكري، الكويت، 2005، ص: 311-312.

[19]– انظر علي الجز نائي، زهرة الآس في بناء مدينة فاس، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، ط : 3، الرباط، 1991، ص: 67.

[20]– انظر رمضان عبد المحسن طه، تاريخ المغرب والأندلس من الفتح حتى سقوط غرناطة، دار الفكر، عمان، 2013، ص: 131.

[21]– انظر عبد الله بن علي، الزيدان وآخرون، السجل العلمي بندوة الأندلس قرون من التقلبات والعطاء القسم الأول التاريخ والفلسفة، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض، 1996، ص: 249.

[22]– انظر مجموعة الأحكام الصادرة عن مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى، المجلد العاشر، 1943-1953، منشورات محكمة النقض بالرباط، ص:14.

[23]– انظر إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء 2009، ج :1، ص:203.

[24]– انظر إبراهيم، حركات، المغرب عبر التاريخ، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، 2009، ج :1، ص:202.

موقع الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى