الرئيسية-دروس ومواعظ

العلم والتعلم في الإسلام

قضى الله أن يحمل الدين الخاتم الإسلامُ للبشرية كل ما ييسر لها مهمة الحياة على الأرض، طريقا إلى حياة أخرى يرتبط نعيمها بعمل الإنسان في حياته الأولى، ولَما كان للعلم أثره في حياة الناس من حيث إنه وسيلة لكشف أسرار الكون، وطريق إلى تنوير الحياة وترقيتها، ومن حيث إنه غذاء للعقل الذي ميز الله به الإنسان وطريق من أهم طرق الوصول إلى الله سبحانه، ولَما كان للعلم هذا الأثر حفل الإسلام في نصوصه بالحثِّ على العلم وبيان قدره تشجيعا على تعلمه وتعليمه وتطبيقه، كما اهتمَّ الإسلام بمناهج التفكير، وبيان الروافد التي ترفد الإنسان بالمعرفة.

وحسبنا في مجال دعوة الإسلام إلى العلم أن نراجع المواد اللُّغوية للجذور (قرأ – علم – فكر – ذكر – عقل) وما في معناها من فقه – نظر، وغيرها في معجم ألفاظ القرآن الكريم لنفهم حقيقةَ هذه الدعوة، وعلينا كذلك للغرض ذاته أن نراجع أبواب العلم في كتب الصحاح.

ولعل في هذه المكانة الرفيعة للعلم ما يغري الناس ويسهل عليهم تجشّم الصعاب في سبيله، وبخاصة إذا أدركوا عون الله لطالب العلم تشجيعًا وتقديرًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (مَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه) .

يقول الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، وقوله: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]، ونذكِّر بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (الحِكمةُ ضالَّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقُّ بها).

فأشرف ما تقضى فيه الأعمار، وتُبذل فيه الأموال، وتُستفرَغ فيه الجهود والأوقات – طلب العلم، وفضل طلب العلم في الإسلام لا يخفى على أحد، وكفى بالعلم شرفًا أن الله تسمى بالعليم، واتصف بالعلم في كتابه، فقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [المائدة: 76]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 11].

ولم تبدأ قضية العلم مع الإنسان منذ الوجود الإسلامي فحسب، ولكنها بدأت مع الإنسان منذ وجوده! قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [البقرة: 30 – 33].

لقد شجع الإسلام على التعليم، فجعل كتمان الهدي بكل صنوفه جالبًا للعن والنقمة، ولا يُذهب أثر هذا إلا التوبة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾ [البقرة: 159، 160]، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((مَن سُئِل عن علم ثم كتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار))[6].

ومن أجل ذلك أخذ الله الميثاق من الذين أوتوا الكتاب أن يبيِّنوا الكتاب للناس ويُعلِنوه ولا يكتموه، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187]، وجاء الوعيد لمن يكتم العلم ولا يبيِّنه للناس، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159].

والعلم المقصود بالثَّناء هو ذلك العلم النَّافع، الذي يُورِث صاحبه خشيةً لله تعالى وقُرْبًا منه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، كما يُورِثه إيمانًا وتصديقًا بما جاء من عند الله، قال تعالى: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [النساء: 162]، وهذا هو العلم الذي أُمِر المسلم بطلبه والاستزادة منه، والدعاء من أجله، قال تعالى مخاطبًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114].

أمَّا العلم الذي يزيد الإنسان قسوة وجحودًا وبُعدًا عن طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا شك أنه سيكون يوم القيامة وَبالًا وحسرة وندامةً على صاحبه، وهذا ما كان يَستعيذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الحديث: “أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذُ من أربعٍ؛ من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يَخشعُ، ودُعاءٍ لا يُسمع، ونفسٍ لا تشبعُ”[9].

ولا ينبغي لمسلم أن يَسمح لنفسه بأن يفعل أو يقول شيئًا بغير علم؛ لأنَّ الله سيسأله عن ذلك يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].

ونخلص مما سبق، إلى أن ديننا هو دين العلم، وأنَّ على أمَّة الإسلام أن تكون السبَّاقة والرائدة في كلِّ ميادين العلم والمعرفة، وأنَّ الإسلام بتعاليمه وقِيَمه لم يكن في يوم من الأيام مانعًا من تطوُّر أتباعه وارتقائهم بين الأمم، كما لم يكن سببًا في انتشار مظاهر الكسل والتواني بينهم، بل كان بحقٍّ مشْعَل نهضة الأمة عبر التاريخ، ومُحَرِّك هِمَمها إلى السبق والرِّيادة والتميز في كل مجالات الحياة.

الإصلاح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق