أنشطة رئيس الحركةالرئيسية-مدارات فكرية

د. أوس رمّال يكتب: الهوية في العصر الرقمي.. كيف نحافظ على ذواتنا في عالم بلا حدود؟

حلقة في: التوازن بين الانفتاح على العالم والوفاء للذات

حتما؛ لم يسبق للبشرية أن عاشت عصرًا تتدفق فيه المعلومات والصور والأفكار بالسرعة التي نعيشها اليوم. فبضغطة زر واحدة، يستطيع الإنسان أن يتابع ما يجري في أقصى الأرض، وأن يتفاعل مع ثقافات ولغات وأنماط حياة لم يكن الوصول إليها متاحًا للأجيال السابقة إلا بعد عناء كبير.

وقد جعل هذا الواقع العالم أكثر ترابطًا وانفتاحًا، حتى بات كثير من المفكرين يتحدثون عن “قرية كونية” أو “عالم بلا حدود”، وهو ما عبّر عنه زيغمونت باومان عند حديثه عن الآثار الثقافية والاجتماعية للعولمة وتحول الحدود التقليدية للمجتمعات في كتابه “العولمة: الآثار البشرية”، الذي ترجمه ترجمة حجاج أبو جبر لمكتبة العبيكان[1].

غير أن هذا الانفتاح الواسع يطرح سؤالًا عميقًا هو:

كيف نحافظ على هويتنا في عالم تتداخل فيه المرجعيات

وتتقاطع فيه التأثيرات وتتراجع فيه الحواجز والفواصل التقليدية بين الثقافات؟

لقد كانت الهوية -عبر التاريخ- تتشكل أساسًا من خلال الأسرة والمدرسة والمجتمع المحلي والمؤسسات الثقافية والدينية. أما اليوم؛ فقد دخلت إلى هذا المجال قوىً جديدةٌ شديدةُ التأثير، تتمثل في المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى العالمية. وأصبح الشاب أو الطفل يتلقى يوميًا رسائلَ ثقافيةً ورمزيةً من جهات متعددة؛ قد تكون أحيانًا أقوى تأثيرًا من محيطه المباشر.

وهنا تكمن المفارقة: فالعالم الرقمي يمنح الإنسان فرصًا غير مسبوقة للتعلّم والانفتاح والتواصل، لكنه -في الوقت نفسه- قد يدفعه إلى نوع من الذوبان الثقافي وفقدان المرجعيات إذا لم يمتلك مناعةً فكريةً وقيميةً كافية.

إن الهوية ليست مجردَ لباسٍ أو لغةٍ أو عاداتٍ وتقاليدَ اجتماعية؛ بل هي منظومة متكاملة من القيم والمعاني والتصورات التي تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والاستمرار. ولذلك فإن الخطر الحقيقي على الهوية لا يتمثل في التعرّف على ثقافات أخرى، وإنما في فقدان القدرة على التمييز بين ما يمكن الاستفادة منه وما يؤدي إلى التبعية والذوبان.

وفي السياق العربي والإسلامي، يزداد هذا التحدي وضوحًا بسبب التحولات المتسارعة التي تعرفها المجتمعات، حيث تتجاور المرجعياتُ المحليةُ والعالمية، وتتزاحم أنماطُ العيش والقِيمِ المتنوعة داخل الفضاء الرقمي نفسه. وأمام هذا الواقع؛ تظهر أحيانًا ردود فعل متناقضة: إذ هناك من يدعو إلى الانغلاق خوفًا على الهوية، وهناك من يدعو إلى الذوبان الكامل في النموذج العالمي السائد باعتباره الطريقَ الوحيدَ إلى التقدم.

غير أن كلا الموقفين يفتقد إلى التوازن. فالانغلاق يحرِم المجتمع من فرص التعلّم والتفاعل، كما أن الذوبان يُفقده خصوصيته وقدرته على الإسهام في الحضارة الإنسانية من موقعه الخاص.

و القرآن الكريم؛ قدّم رؤية متوازنة لهذه القضية؛ حين جمع بين التعارف والخصوصية في آن واحد، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾[الحجرات: 13]. حيث يتبيّن أنّ الاختلافَ لا يبرّر لا الصراع ولا الانعزال، وإنّما هو إطار للتعارف والتفاعل والتكامل.

ولهذا فإن الحفاظ على الهوية في العصر الرقمي لا يكون ببناء الجدران، وإنما ببناء الوعي. فكلما كان الإنسان أكثر رسوخًا في قيمه، وأكثر فهمًا لتاريخه وثقافته، كان أقدر على الانفتاح دون ذوبان، وعلى الاستفادة دون تبعية. وهذا المعنى ينسجم مع ما يؤكد عليه الدكتور طه عبد الرحمن في “سؤال الأخلاق” المنشور عند المركز الثقافي العربي؛ من أن الانفتاح الحقيقي لا يكون بالتخلي عن المرجعية الأخلاقية، وإنما بتجديدها لتظل قادرة على توجيه الفعل الحضاري [2].

كما أن مسؤولية حماية الهوية لا تقع على الفرد وحده، بل هي مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية والدّولة. فالمجتمعات التي لا تُنتج سرديتها الخاصةَ، ولا تُقدّم روايتها عن ذاتها للجيل الجديد؛ تَترك المجال لآخرين كي يصوغوا تلك الروايةِ نيابة عنها.

وقد نبّه عدد من المفكرين المعاصرين: مالك بن نبي، على سبيل المثال في كتاب “مشكلة الثقافة”، المنشور لدى دار الفكر؛ إلى أن العولمة لا تهدد الهوياتِ القويةَ الواثقةَ من نفسها بقدر ما تهدّد الهوياتِ الهشّةَ التي لم تحسِم علاقتَها بذاتها وبالعالم[3]. ولذلك فإن التحدي الحقيقي إنّما يكمن في ضعف القدرة على التفاعل الواعي مع التّأثيرات الخارجية.

وفي الأخير، فإن الهوية ليست شيئًا جامدًا يُحفظ في المتاحف، ولا عِبئًا ينبغي التخلص منه؛ وإنّما هي مشروع متجدّد يجمع بين الأصالة والتطور. والمجتمعات التي تنجح ليست هي التي تنغلق على نفسها، ولا تلك التي تفقد ذاتها في الآخرين؛ وإنما تلك التي تعرف من تكون، وتدرك ما تريد، وتشارك في بناء العالم من موقع الثقة لا من موقع التبعية.

 

[1] زيغمونت باومان، “العولمة: الآثار البشرية”، ترجمة حجاج أبو جبر، مكتبة العبيكان.

[2] طه عبد الرحمن، “سؤال الأخلاق”، المركز الثقافي العربي.

 [3] مالك بن نبي، “مشكلة الثقافة”، دار الفكر.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى