ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة
موضوع: "اَلِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: اَلْمَقَاصِدُ وَالْغَايَاتُ"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
تناول كاتب خطبة يوم 8 ربيع الأول 1448هـ الموافق لـ 21/8/2026م موضوع: ” اَلِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: اَلْمَقَاصِدُ وَالْغَايَاتُ”، بمناسبة قرب ذكرى مولده الشريف.
ملاحظات على الخطبة:
1- جاء بناء الخطبة بعيداً عن جوهر عنوان الموضوع من حيث ضرورة بيان وجوه التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما يحتاجه المتلقي في وقتنا الحاضر.
قال اللهُ تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21]. قال ابن كثير رحمه الله: (هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ.)[1]
ويتجسد التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في تطبيق هديه الشريف في شتى مناحي الحياة، ومن أبرز هذه المجالات العبادة ، الأخلاق والمعاملات، والحياة الأسرية والاجتماعية، وكل مجال من هذه المجالات يحتاج إلى خطبة بل خطب . وذكرى مولده الشريف تستحق تخصيص شهر المولد النبوي كله بما يناسب مقامه العظيم انسجاما مع روح الرسالة الملكية وخطة تسديد التبليغ.
2- لا فرق بين المقاصد في الاحتفال بالمولد التي أشير إليها في الخطبة الأولى والغايات التي أشير إليها في الخطبة الثانية، فهو تكرار لا فائدة منه، ضيع فرصة إغناء الخطبة بمضامين جديدة ومناسبة.
3- ما فائدة تذكير الناس بالرسالة الملكية إلى العلماء في المجلس العلمي الاعلى والمجالس العلمية المحلية؟، فهل يستقيم أن تذكروا الناس في خطبة الجمعة بما يجب عليكم القيام به و تحويل مضامين الرسالة الملكية إلى خطة عمل وبرمجة أنشطة، يراها الناس عن قرب في الفضاءات العامة وفي قطب الإعلام العمومي كله وليس فقط في قناة السادسة ؟
4- مضت قرابة سنة على توجيه أمير المؤمنين الملك محمد السادس رسالة سامية إلى المجلس العلمي الأعلى بمناسبة ذكرى مرور خمسة عشر قرناً على ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، والتي دعا فيها العلماء إلى إحياء السيرة النبوية عبر برامج علمية وتربوية وإعلامية منسّقة تشمل المغرب والجاليات المغربية وإفريقيا وذلك بأساليب جديدة تجيب عن أسئلة الشباب وتحصن الأمن الروحي للأمة.
لكن لم نر أثراً كبيراً لتوجيهات هذه الرسالة الملكية على أرض الواقع، قد يكون سبب ذلك اكتفاء المجالس العلمية بالاشتغال داخل مقراتها أو في المساجد الجامعة التابعة لها، وعدم الخروج إلى الفضاءات العامة التي يرتادها عموم الناس، أو هو إهمال وتقصير في التغطية الإعلامية للأنشطة المنظمة، وكل ذلك غير مقبول البتة.
إلا أنه في كل الأحوال لا عذر للمجالس العلمية المحلية -التي بلغ عددها 82 مجلسا في ربوع المملكة- في التخلف عن الاستجابة للرسالة الملكية قياما بواجب الدعوة والتبليغ المنوط بها شرعا، والتزاما بالمسؤولية التي كلفوا بها ويتقاضون أجورا عليها.
فمن حيث الميزانية خصص غلاف مالي قدره 235.6 مليون درهم برسم سنة 2026 لدعم أنشطة الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجهوية والمحلية بالمغرب.
كما رصدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مبلغ 3 ملايير درهم لدعم خطة تسديد التبليغ وتحسين وضعية القيمين الدينيين خلال 2026 .
5 – موسم الصيف موسم الأنشطة الدينية والثقافية والترفيهية يواكبه حضور شعبي عفوي في معظم المدن السياحية، لكن يستغله كثيرون لنشر التفاهة والميوعة بين الشباب عبر مهرجانات الشواطئ وغيرها، والمجالس العلمية المحلية في عطلة، والوعاظ في المساجد في عطلة، بل ربطت خطة تسديد التبليغ الوعظ الأسبوعي بشرح مضامين الخطبة الموحدة. فترك المجال لدعاة الفجور يعيثون في الأرض فسادا. على حد قول طَرَفَة بن العبد: “خَلاَ لَكِ الجوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي.”
ومما يستحق التنويه والإشادة في هذا الصدد تجربة المجالس العلمية المحلية بجهة الدار البيضاء-سطات بتنسيق مع المجلس العلمي الجهوي لجهة الدار البيضاء سطات في تنظيم الدورة الثانية لفعاليات الأبواب المفتوحة والخيام التواصلية الصيفية واللقاءات المفتوحة لمدة 9 أيام بساحة مسجد الحسن الثاني بتاريخ 18 يوليوز 2026 .
6- تتزامن ذكرى المولد النبوي الشريف هذا العام مع ذكرى إحراق المسجد الأقصى المبارك، لتهتف بكل مسلم غيور معظم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنقذ بما يستطيع مسرى النبي صلى الله عليه وسلم من التدنيس والإحراق والعدوان والاقتحامات، ومنذ الشروع في تنزيل الخطبة الموحدة لم نسمع عن المسجد الأقصى حتى في خطبة الإسراء والمعراج ناهيك عن غزة الجريحة.
فبسبب الأقصى أنشئت منظمة المؤتمر الإسلامي في الرباط في 25 شتنبر 1969، إذ عُقد أول اجتماع بين زعماء دول العالم الإسلامي، بعد إحراق السجد الاقصى في 21 غشت 1969.
وكان ذلك الاجتماع بمبادرة من جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله. ومما قال الملك الراحل الحسن الثاني عن قمة المؤتمر الإسلامي الأولى بالرباط سنة 1969 في كتابه ذاكرة ملك: “منذ وفاة النبي ﷺ، كانت هذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها هذا العدد من قادة دول المسلمين”.
وخلاصة القول: إن شهر ربيع الأول ليس مجرد محطة زمنية عابرة، بل هو مناسبة إيمانية يتجدد فيها العهد مع الرسالة ومع صاحب الرسالة، وتتأكد فيها الحاجة الحضارية والأخلاقية إلى الاغتراف من نبع السيرة النبوية المطهرة.
فلنستقبل هذا الشهر بالتعرف إلى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنقتدِ بأخلاقه، ولنحرص على سنته، ولنعطر ألسنتنا بالصلاة والسلام عليه، ولنجعل محبتنا له واقعًا حيًا يظهر في عبادتنا وأخلاقنا ومعاملاتنا.
[1] – مختصر ابن كثير، 3/100.




