الرئيسية-دروس ومواعظ

حاجتنا للتزكية

من المواضيع الجليلة التي تستحق فعلا النظر والتمعن والمدارسة هو أمر التزكية، كيف نزكي أنفسنا وكيف نحصل هذه التزكية وكيف نغتنم هذه الفرص الجليلة كرمضان والأيام العشر من ذي الحجة، فمعلوم إخواني أنه عندما نطلق كلمة التزكية نقصد بها الازدياد والنماء في الخير فكلما ازداد الإنسان ونما في الخير فهو في إطار هذه التزكية، وتعني في معانيها أيضا الطهارة، فهي تجمع بين التطهر من الآفات ومن الموبقات والكبائر ومما لا يجوز في الشرع ثم بناء النفس بالفضائل والفرائض والنوافل وبما يحب الله عز وجل من كل الأعمال فإذا سك الإنسان سبيل تطهيرها وسبيل بناءها فهو على طريق التزكية إن شاء الله تعالى.

فخلاصة هذه المعاني هي الطهارة والتنمية والصلاح، فكلها تطهر من الشر والزيادة في الخير، وبذرة الإيمان كما هو معلوم عند أهل السنة والجماعة تزيد بالطاعات وتذبل وتكاد تموت بالمعاصي، مطلوب منا هذه التزكية لأنها غاية الدين وهي وسيلة في نفس الآن، فإعداد النفوس الصالحة النقية التقية هو مقصد كبير وعظيم من مقاصد الدعوة إلى الله تعالى ومن مقاصد الدين، ثم هي الأساس المتين لكل صلاح، لا يمكن أن نباشر عملية الإصلاح في المجتمع وفي مختلف المجالات بأدوات فاسدة لا بد لمن يباشر عملية الإصلاح أن يتوجه أولا بالخطاب وبالعمل وبالجهد إلى نفسه لكي تكون أداة صالحة لهذا العمل، ثم أهميتها فتتجلى بأنها المهمة العظمى والأساسية لجميع الرسل، إذ أن الرسل جاؤوا لهذه المهمة لكي ننجح في مهمة التزكية وننجح في مهمة هذا البناء فالتزكية هي السبيل الدائم للوصول إلى تقوى الله عز وجل، والارتقاء بالنفس البشرية لتعيش مع صفوة الشاكرين وصفوة الصديقين والشهداء والصالحين، إذن فالتزكية سبيل لكي نلحق بهذه النخبة المختارة عند الله عز وجل، ولا شك أن من سلك هذا السبيل سيرجع بثمار جليلة وعظيمة لمن اعتنى بهذه التزكية ولمن اعتنى بهذه التربية، لأن التربية عندنا تقع في القلب من مشروع الذي نحن بصدده مشروع إقامة الدين وإصلاح المجتمع، ويوم يزهد الناس ويفرطون في هذا الأصل العظيم فهذا المشروع إلى زوال وإلى فقدان صبغته التي تميزه.

إذن فمن ثمار هذه التزكية أنها سبب للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة كما قلا ربنا عز وجل “قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”، ثم هي سبب طهارة القلب وصلاحه فإذا كان هو جوهر عملية الإصلاحية فالتزكية هي الوسيلة لإصلاح القلوب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، ثم هي سبيل الاستقامة وحسن الخلق وتوطيد العلاقات الاجتماعية النبيلة، فإذا كان جوهر الدين هو المعاملة فان هذه التزكية رقي بالإنسان لكي يكون خيرا ويكون سلوكه حسنا في تعامله مع غيره، فالتزكية تحسين للخلق وتهذيب للسلوك وتوصل إلى طريق الاستقامة وتحفظ صلة الشخص بالله سبحانه وتعالى ثم بالناس فتتوطد بذلك العلاقات الإنسانية وتتحقق المنافع المشتركة لما فيه خير البلاد والعباد.

ثم هذه التزكية فيها عز النفس، لأن هذا الإنسان الذي لا يزكي نفسه يكون ذليلا يكون عبدا للدرهم أو الدينار أو المصلحة المادية القصيرة أو عبدا للشهوة أو عبدا لغيره من الناس أو غير ذلك ولكن بالتزكية ينال الإنسان عز النفس التي أرادها الله سبحانه وتعالى ثم يكسب سمو النفس وعلو الهمة، وكما جاء في الحديث إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها)، فارتقى هذه المراقي كلما نال مراتب عليا عند الله سبحانه وتعالى وهو ينال الحياة الطيبة التي وعد الله تعالى المؤمنين كما قال ربنا عز وجل :”من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون”، يقول ابن القيم رحمه الله عن هذه الحياة الطيبة : (الصواب أنها حياة القلب، ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، فانه لا حياة أطيب من حياة صاحبها ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة)، إذن من أراد الحياة الطيبة فينبغي أن يجتهد على قلبه ولا يكون الاجتهاد سليما إلا إذا سلك إليه سبيل التزكية السليمة.

ويبق السؤال من يتولى هذه التزكية؟ فأول شيء مادام أن الرزق والهداية والخير كله من الله فكذلك التزكية أساسا من الله عز وجل كما قال ربنا :”ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم”، ومن تزكية الله لعباده أن هيئ لهم رسل وأنبياء لكي يوضحوا للناس السبيل ولكي يساعدوهم على هذه التزكية، كما قال في شأن نبينا عليه الصلاة والسلام :”لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل لفي ضلال مبين”، فالله يزكي والأنبياء يزكون ولكن الإنسان هو مسؤول عن اتخاذ قرار التزكية من عدمها، إذن فالتزكية مبسوطة كنور الشمس من فتح بصره يستفيد من نورها ومن أغلق عينيه فلن يستفيد من هذا النور شيئا، إذن فالمسؤولية الأساس بعد هذا الاعتراف والإيمان هي مسؤولية فردية بالأساس كما قال ربنا عز وجل :” ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”، فأسند التزكية إلى النفس كما في قصة موسى وفرعون :”فقل هل لك إلى أن تزكى”، فهو الذي يأخذ قرار التزكية وآيات كثيرة تبين أن التزكية مسؤولية فردية، ودور العلماء ودور الدعاة والمصلحين هو أنهم يرثون هذه المهمة من الأنبياء ويجتهدون في بسط هذا الخير وتزيينه وهو جميل للناس وهم يتخذون القرار، بمعنى دور العلماء والدعاة هو التذكير والتعليم وتلاوة القران على الناس وبسط السنة والسيرة النبوية وحثهم على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يجعلوا لأنفسهم في ذلك نصيبا من أمر التعظيم أو الذكر أو غيرها من الأحوال.

فالشرع لم يترك لنا هذه التزكية إجمالا وإنما فصل لنا كيف نزكي أنفسنا، فهناك على سبيل الإجمال يمكن أن نقول بأن التزكية يجتهد فيها طالب التزكية بعد العلم في العمل، إذن العلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى هدي خير العباد ونيل نصيب بعد أحكام الفرائض من الإخلاص والتوبة والذكر والفكر والصبر والشكر والصلاة والصيام والحج والاعتمار، وقراءة القران والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسح رأس اليتيم والسعي في حاجة المسكين والمجاهدة والمدافعة لإقامة الدين في أبعاده الممكنة وحمل هموم الأمة والتضحية بالجهد والمال والوقت والنفس لإعلاء كلمة الله وتجنب الكبر والظلم والرياء والعجب والغرور والغضب المذموم ومجمل الكبائر المهلكات والآفات القاطعة للطريق، وأقول والشرع كله سبيل للتزكية، من اجتهد أن يقيم جانبا فيه فهو ينال حظا من هذه التزكية، إذن فليس صحيحا أن نحصر التزكية في الأذكار أو في المسجد أو في الصلاة إنما أي عمل يكون فيه إخلاص ويكون مشروعا وفق الكتاب والسنة فهو وسيلة من وسائل التزكية العظيمة، إذن الشرع كله سبيل لتزكية الأفراد والجماعات أي توحيد الله تعالى وإقامة الفرائض وأداء الواجبات واجتناب الكبائر والنواهي ثم الاجتهاد في التطوع والنوافل وفي الحديث القدسي كما في صحيح البخاري : (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ) إذن فطريق التزكية واضح، والشرع فصل في هذه التزكية، ونذكر فقط رؤوس أقلام فيها :

  • التوحيد والطاعة والتزام السنة سبيل للتزكية، فمن سلك طريق التزكية ولكن على غير طريق السنة فقد جانب الصواب في عالم التزكية.
  • الإخلاص أساس هذه التزكية فمهما كانت الأعمال كبيرة وجليلة إذا غاب عنها هذا العنصر يضيع مقصد التزكية ولا تقبل من صاحبها ونستحضر نصوصا كثيرة منها في الحديث القدسي : (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء)، وكما يقول ابن القيم رحمه الله : (أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة هم أهل إياك نعبد حقيقة فأعمالهم كلها لله وأقوالهم لله وعطائهم لله ومنعهم لله وحبهم لله وبغضهم لله فمعاملتهم ظاهرا وباطنا لله وحده لا يريدون من ذلك من الناس جزاء ولا شكورا ولا ابتغاء الجاه عندهم ولا طلب المحمدة ولا المنزلة في قلوبهم ولا هربا من ذمهم بل قد عدوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا) فالاعتصام بالتوحيد والإخلاص والسنة هو السبيل الأرشد للتزكية الراشدة.
  • الهمة العالية شرط أساس في مهمة تزكية النفوس لأن النفس تميل إلى الكسل والدعة وتميل إلى الشهوة المحرمة فإذا لم يجاهد الإنسان نفسه لن يفلح في طريق التزكية، إذن لا بد من عملية المجاهدة وحمل النفس على ما تكره أحيانا لكي تسلك طريق الخير كما قال أحمد الر اشد في رقائقه، (الفكر لا يحد واللسان لا يصمت والجوارح لا تسكن إن لم تشغلها بالعظائم شغلتك بالصغائر وإن لم تعملها في الخير عملت في الشر إن في النفوس ركونا إلى اللذيذ والهين ونفورا عن المكروه والشاق فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق ورضها وسسها على المكروه والأحسن حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها وحتى تنفر عن كل دنيئة وتربأ عن كل صغيرة علمها التحليق تكره الإسفاف عرفها العز تنفر من الذل وأذقها اللذات الروحية العظيمة تحقر اللذات الحسية الصغيرة .. إلى آخر ما  قال).
  • التوبة باب عظيم وهو مدخل أساس لهذه التزكية وهي عملية تخلية وعملية تطهير قبل مباشرة هذا البناء، وهي عملية متوازية، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار ويجدد توبته، ثم العناية بأعمال القلوب فهي من ركائز هذه التزكية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (أعمال القلوب من أصول الإيمان ومن قواعد الدين مثل محبة الله وحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوكل على الله وإخلاص الدين له والشكر على نعمه والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء فيما عنده…) فالعناية بأعمال القلب قبل العناية بالجوارح.
  • العبادات كسبيل مضمون لأنه من الله ومن بيان رسول الله فلا يمكن للأجيال التي أتت بعده أن تتزكى بغير ما تزكى به الجيل الأول بغير الصلاة وبغير الصيام وبغير الحج وبغير الذكر وبغير تلك الأعمال الجليلة ثم أفعال الخير كلها، فالصلاة تزكية والصوم تزكية والاعتكاف تزكية والصدقة والإنفاق في سبيل الله تزكية وتلاوة القران وتدبره ومدارسته تزكية ومدارسة السنة كمذلك والذكر والفكر والدعاء كلها سبل من سب التزكية، كما في ذكر الموت وقصر الأمل تزكية لأن الإنسان عندما يطول أمله ويتعلق بهذه الدنيا يفشل في سبيل التزكية لكن إذا كان يعيش مع الآخرة ويعيش أجواءها ويستحضر القبر وأحواله ويتحضر الصراط والميزان ويوما مقداره خمسون ألف سنة، ليس ألف سنة وليس مائة بل أضعاف أضعاف وهو واقف فقط فيعرف قيمة ما معنى أن يكون في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، ثم يأتي العمل الصالح عموما والأخلاق الحسنة في التزكية.

كما أن التزكية تحتاج إلى وسائل مساعدة وأساسها البيئة الصالحة والجلسات التربوية وهذه الحلقات التي ينبغي أن يعتني بها إخواننا ولا ينبغي أن يعتبروا أنفسهم قد كبروا عليها لأنها جلسة تذكرة وجلسة موعظة تذكر بهذه المعاني الجليلة وتذكر بمعاني التزكية، فكلما اعتنينا وعظمنا ما يعظمه الله تعالى وما يعظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما سلكنا السبيل الأقوم إلى التزكية.

الدكتور محمد بولوز / سلسلة تبصرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى