مقالات رأي

من تحرير العقل إلى بناء الأمة.. دعوة إبراهيم عليه السلام وذريته – علي محمد الصلابي

إذا كانت مهمة الاستخلاف قد بدأت مع آدم عليه السلام ببناء الإنسان المؤهل لحمل الأمانة، فإن دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام نقلت هذا المعنى إلى طور جديد؛ إذ تحولت العقيدة على يديه من مواجهة للوثنية إلى مشروع متكامل يحرر العقل، ويبني الأسرة، ويقيم البيت، ويصل أجيال النبوة بعضها ببعض. فالحضارة في هدي الأنبياء عليهم السلام لا تنشأ من كثرة المال وحدها، وإنما تبدأ حين يتحرر الإنسان من عبودية الوهم، ويعرف ربه، ثم تتحول معرفته إلى تربية وعمل ومؤسسات تحفظ الإيمان والعدل وكرامة الإنسان.

نشأ إبراهيم عليه السلام في مجتمع استقرت فيه عبادة الأصنام حتى صارت جزءاً من موروثه، ولم يكن للقوم حجة سوى قولهم: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53]. فرد عليهم إبراهيم عليه السلام: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]. ولم يكن مقصوده إسقاط مكانة الآباء، وإنما تحرير الحقيقة من سلطان الزمن؛ فالفكرة لا تصبح حقاً لأنها قديمة أو شائعة، والموروث يُحترم بقدر موافقته للوحي والبرهان.

وأراه الله ملكوت السماوات والأرض، فناظر قومه فيما عبدوه من الكواكب والقمر والشمس، وأبطل ألوهيتها بأفولها، ثم أعلن وجهته: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. وفي هذا الحوار ظهر منهج دعوي يخاطب الناس بما يفهمون، ويقودهم بالتدرج إلى رؤية التناقض في معتقداتهم، حتى يصل العقل بنفسه إلى الحق.

وجمع إبراهيم في دعوته بين قوة الحجة ورحمة الخطاب. فقد خاطب أباه بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾، وعرض عليه ما جاءه من العلم من غير تعالٍ، فلما هدده أبوه أجابه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: 47]. وحين حطم الأصنام أراد أن يعيد قومه إلى سؤال الفطرة: كيف يعبد الإنسان ما لا يسمع ولا ينفع ولا يدفع عن نفسه الضرر؟ ولما عجزوا عن رد حجته انتقلوا إلى القوة، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: 68]، فجاء أمر الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69].

ثم هاجر إبراهيم بدينه، وانتقل من مقاومة الباطل إلى بناء البديل. ورزقه الله إسماعيل، فلما بلغ معه السعي ابتلاه بذبحه، فوجد في ابنه ثمرة التربية المؤمنة: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]. وهكذا لم تبق العقيدة فكرة يحملها الأب، وإنما أصبحت يقيناً يتوارثه الأبناء، واستعداداً مشتركاً للطاعة والتضحية.

وبلغ المشروع الإبراهيمي مرحلة التأسيس حين رفع إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت الحرام وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. جمعا بين العمل والدعاء، ولم يقفا عند بناء الحجر، بل دعوا بقيام أمة مسلمة وبعثة رسول يتلو على الناس آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم. فاجتمع حول البيت الأمن والعبادة والتعليم والتزكية، وصار بناء الكعبة بداية مركز يحمل التوحيد إلى العالم، حتى استجاب الله دعاءهما ببعثة محمد ﷺ من ذرية إسماعيل.

وكان إسماعيل صادق الوعد، يأمر أهله بالصلاة والزكاة، فدلّت سيرته على أن بناء الأمة يبدأ من البيت؛ من أب يحمل مسؤوليته، وأسرة تقيم الصلاة، ووفاء يحفظ الثقة بين الناس. وامتد عهد النبوة في إسحاق ويعقوب عليهما السلام، وكان أعظم ما شغل يعقوب عند موته بقاء التوحيد في ذريته، فسأل أبناءه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾، فقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133].

وفي المسار نفسه جاءت دعوة لوط عليه السلام لحماية الفطرة والأسرة والأمن العام. فقد انتشر في قومه الفساد، واقترن بقطع الطريق والمجاهرة بالمنكر، ثم انقلب ميزانهم حتى قالوا عن أهل الطهارة: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]. وتبلغ المجتمعات مرحلة خطيرة حين يصبح الفساد مقبولاً في مجالسها، ويعامل الإصلاح بوصفه تهديداً؛ لأن العمران لا يستقر مع انهيار الأسرة، واضطراب الأمن، وإقصاء من يدعو إلى الطهارة.

وتكتمل هذه المرحلة بقصة يوسف عليه السلام، الذي انتقل من الجب والرق والسجن إلى إدارة خزائن مصر. حفظ عفته في الخفاء، ودعا إلى الله في السجن، ورفض الخروج حتى تثبت براءته، ثم وضع خطة لمواجهة المجاعة تقوم على زيادة الإنتاج، وحفظ الحبوب، وترشيد الاستهلاك. وحين قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]، جمع أساس الولاية الصالحة: أمانة تصون الموارد، وعلم يحسن إدارتها.

ولما تمكن يوسف لم يجعل السلطة طريقاً للانتقام، بل قال لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: 92]، فأعاد أسرته من غير إذلال، وجمع بين الأمن الاقتصادي والسلم الاجتماعي. وهكذا تتضح وحدة المشروع الإبراهيمي: تحرير للعقل من التقليد، ورحمة في الدعوة، وأسرة تنقل الإيمان، وبيت يجمع العبادة بالأمن، وحماية للفطرة، وقيادة تجمع النزاهة والكفاءة والعفو. وبهذه الأصول يتحول التوحيد من عقيدة في القلب إلى قوة تبني الإنسان والأسرة والأمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

القرآن الكريم.

ابن عاشور، التحرير والتنوير.

ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.

د. علي محمد الصلابي، الحضارة الإنسانية في دعوة الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام).

الطبري، جامع البيان.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى