العبور نحو سبتة.. حصيلة رسمية للضحايا ومطالب بتحقيق يكشف ملابسات ما جرى

لازالت الأحداث المحزنة والمشاهد المؤلمة المرتبطة بتداعيات إقدام عشرات الآلاف من المواطنات والمواطنين على العبور نحو سبتة المحتلة تثير الكثير من التفاعلات.
وفي أول تصريح رسمي، أكدت وزارة الداخلية أن “مختلف المعطيات التي تم تجميعها وتحليلها أبانت أن هذه الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية، وإنما جاءت نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة”.
وذكرت الوزارة في مقدمة تلك العوامل “الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضلَلة، ودور عصابات الإتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية، استهدفت الإيهام بإمكانية الولوج إلى الفضاء الأوروبي بسهولة ودون تبعات قانونية”.
حصيلة رسمية
وأضاف تصريح الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية أن هذه الأحداث أسفرت عن “تسجيل حالة وفاة عرضية واحدة إثر السقوط من منطقة صخرية مجاورة لمدينة سبتة، إلى جانب 10 حالات وفاة ناجمة عن الغرق”.
وأوضح المصدر نفسه أن هذا الواقع يكشف أن قِصَر المسافة الفاصلة، التي تقل عن سبعين مترا، ومحدودية عمقها النسبي، الذي لا يتجاوز في بعض النقاط أكثر بقليل من مترين، وَلَدّا لدى عدد من المشاركين شعورا مضلَلا بسهولة العبور، فدفعهم إلى التقليل من حجم المخاطر والإقدام على محاولات انتهى بعضها بعواقب مأساوية”.
وجاء في التصريح “أن المملكة المغربية ستظل، كما عهدها شركاؤُها، شريكا موثوقا ومسؤولا، ملتزما بتعزيز التعاون والتنسيق الدولي في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وفي الآن ذاته لن تدخر أي جهد في اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية النظام العام، وصون أمن الحدود، وضمان سلامة الأشخاص والممتلكات، في إطار سيادة القانون واحترام الالتزامات الوطنية والدولية للمملكة”.
لجنة تحقيق ملكية
وتفاعلا مع هذه الأحداث، دعا حزب العدالة والتنمية إلى تشكيل لجنة وطنية للتحقيق بتعليمات ملكية، تتولى إجراء تحقيق نزيه وشفاف لكشف ملابسات ما جرى، مع نشر نتائجه أمام الرأي العام واستخلاص الدروس الكفيلة بمعالجة الاختلالات التي تدفع الشباب إلى الهجرة الجماعية والمغامرة بحياتهم.
واعتبر الحزب في بلاغ له أن مشاهد الهجرة الجماعية، رغم ما تحقق من مشاريع وبنيات تحتية، تعكس اختلالات عميقة على المستويات التربوية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، داعيًا إلى مراجعة السياسات العمومية بما يعزز فرص الشغل، ويحسن الخدمات العمومية، ويعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وطالبت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بالكشف الفوري عن مصير الأشخاص المفقودين ومجهولي المصير، على خلفية المأساة التي رافقت محاولات العبور نحو مدينة سبتة المحتلة برا وبحرا، والتي أودت بحياة عشرات المغاربة والمهاجرين.
وأكدت المنظمة، في بيان لها، أنها تتابع بقلق بالغ تطورات هذه الأحداث، في ظل تزايد نداءات عائلات المفقودين التي تبحث عن أي معلومات بشأن أبنائها وأقاربها الذين انقطعت أخبارهم خلال محاولات الوصول إلى المدينة.
من جانبها، طالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع تطوان بفتح تحقيقات مستقلة ونزيهة في جميع حالات الوفاة والاختفاء وترتيب المسؤوليات وضمان عدم الإفلات من العقاب، مع تكثيف عمليات البحث والإنقاذ والتسريع في التعرف على هوية الجثامين وتمكين العائلات من معرفة مصير ذويها.
ودعت في بيان صحفي إلى التخلي عن المقاربة الأمنية في تدبير ملف الهجرة واعتماد سياسة قائمة على احترام حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية وحرية التنقل مع معالجة الأسباب البنيوية للهجرة وفي مقدمتها الفقر والبطالة والتهميش والإقصاء الاجتماعي.
كما طالب منتدى الكرامة لحقوق الإنسان السلطات المغربية بالكشف الفوري عن الحصيلة الرسمية للوفيات والإصابات والمفقودين، جراء أحداث محاولات النزوح والهجرة الجماعية التي شهدتها مدن شمال المملكة يومي 30 و31 يوليوز 2026 نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، مؤكداً أن حماية الأرواح وصيانة كرامة المواطنين واجب لا يقبل التجاهل أو التهاون.
وأعرب المنتدى، في بيان صادر عن مكتبه التنفيذي، عن حزنه البالغ وإدانته للمشاهد المأساوية التي رافقت هذه الأحداث، والتي تعرض فيها آلاف المواطنين، بمن فيهم نساء وأطفال وقاصرون وأسر بكاملها، لمخاطر جسيمة.
انتقاد الصمت
أما حزب التقدم والاشتراكية فرأى أنَّ هذه الأحداث مرتبطة، بشكل كبير وأساسي، بمحدودية ونقائص وثغرات النموذج التنموي المعتمد وما يفضي إليه من سوء توزيع الخيرات اجتماعيا ومجاليا، مطالبا الحكومة بالخروج عن صمتها والإدلاء بتفاصيل الفاجعة وحيثياتها وسبل معالجة تداعياتها.
ودعا الحزب بيان له إلى التدخل الفوري والفعال لتوفير وتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة والكافية للمواطنات والمواطنين المعنيين بهذه الأحداث، سواء منهم الموجودين داخل سبتة المحتلة الذين يتعين أيضاً حمايتهم من أي ممارسات عنصرية؛ أو أولئك الذين يُوجدون في الطرق المؤدية إلى سبتة أو مليلية المحتلتيْن. رفضا لأيِّ اعتداء أو تخريب يقترف في حق قوات الأمن أو الممتلكات الخاصة أو العامة.
من جانبه، حمل تحالف اليسار الحكومة مسؤولية تفاقم ظاهرة الهجرة الجماعية للشباب المغاربة نحو مدينة سبتة المحتلة، معتبرا أن المشاهد الأخيرة التي شهدتها المنطقة تعكس حجم الإحباط واليأس الذي تعيشه فئات واسعة من الشباب، بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ودعا التحالف في بيان صادر عنه إلى اعتماد سياسات عمومية تضع الشباب في صلب الأولويات، من خلال توفير فرص الشغل وإصلاح قطاعي التعليم والصحة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
مقاربة وطنية
حمل حزب الحركة الشعبية الحكومة مسؤولية ما وصفه بتفاقم الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت مئات الشباب إلى محاولة الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة المحتلة.
ودعا الحزب إلى مراجعة شاملة للاختيارات العمومية، وإطلاق تعاقد مجتمعي جديد يجعل كرامة المواطن في صلب السياسات العمومية، ويؤسس لدولة اجتماعية قائمة على العدالة المجالية، وتكافؤ الفرص والحكامة الجيدة، والكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
اعتبر حزب الأصالة والمعاصرة أن الأحداث التي شهدتها منطقتا الفنيدق وبني أنصار، إثر محاولات اقتحام السياجين الحدوديين لسبتة ومليلية المحتلتين، تعكس تعقيدات ملف الهجرة غير النظامية، داعيًا إلى معالجته ضمن مقاربة وطنية ودولية شمولية، ورافضًا اختزال أسبابه في قراءات وصفها بـ”السطحية”، أو استغلاله لتصفية الحسابات مع مؤسسات الدولة.
وقال الحزب، في بلاغ لمكتبه السياسي توصلت به هسبريس، إن الهجرة غير النظامية تمثل قضية وطنية عميقة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والجيوسياسية والثقافية، مؤكدا أن مسؤولية مواجهة ما سماه “إغراءات” الهجرة غير الآمنة تقع بشكل جماعي على عاتق الدولة والمؤسسات والأسر والفاعلين السياسيين والمدنيين، إلى جانب بلدان الجوار والمؤسسات الدولية.




