د. أوس رمّال يكتب : من يوجّه عقولنا ويتحّكم في اختياراتنا؟
الخوارزميات وصناعة الرأي العام

بعد أن كانت الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية هي الفاعل الأكبر في توجيه النقاشات العامة خلال مدّة طويلة؛ ظهرت في هذا العصر قوة جديدة أكثرُ نفوذًا وأشدُّ تأثيرًا، هي قوة الخوارزميات التي تدير المنصات الرقمية وتتحكّم في تدفّق المعلومات والصور والأفكار إلى مليارات البشر.
والغريب أن أغلب الناس يتعاملون يوميًا مع هذه الخوارزميات دون أن يشعروا بوجودها أصلاً. والحال: أنّنا كلما فتحنا هواتفنا لنتصفّح منصّة رقمية أو نشاهدَ مقطعًا مصوّرًا أو نبحث عن معلومة؛ إلاّ كانت هذه الخوارزميات في الخلفية تراقب اهتماماتنا، وتُحلّل سلوكنا ومسالكنا الرّقمية، وتقترح علينا ما تراه أكثر قدرة على جذب انتباهنا لإبقائنا أطول وقت ممكن داخل المنصّة.
وهنا يبرُز سؤال عميق:
هل ما نراه على شاشاتنا هو صورةٌ حقيقية للعالم؟
أم أنّنا لا نرى إلاّ ما جرى انتقاؤه وترتيبه خصّيصًا لنا؛ بواسطة أنظمة رقمية لا نعرف عنها إلا القليل؟
بعض الباحثين ومنهم إيلي باريزر (Eli Pariser)؛ صاحب “فقاعة المرشحات” (The Filter Bubble)، Penguin Press. لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش داخل ما يسمّيه “الفقاعة المعلوماتية”، حيث لا يتلقى بالضرورة ما يحتاج إلى معرفته؛ وإنما ما تتوقّع الخوارزميات أنه سيعجبه أو يثير اهتمامه[1]. ونتيجة لذلك: قد يجد نفسه محاطًا بآراء تشبه آراءَه، وأخبارٍ تؤكد قناعاتِه، ومحتويات تعزّز تصوراته السابقة؛ دون أن ينتبه إلى أنّ جزءًا كبيرًا من الواقع قد أصبح محجوبًا عنه.
ومن هنا تنشأ إحدى أخطر ظواهر العصر الرقمي: “صناعة الانطباعات بدل صناعة المعرفة”. فالخوارزميات لا تبحث أساسًا عن الحقيقة أو التوازن، وإنما عن التفاعل والانتشار. ولذلك فإن المحتوى الذي يثير الغضب أو الاضطراب أو الخوف أو الفضول؛ غالبًا ما يحظى بأولوية أكبر من المحتوى الأكثر عمقًا واتزانًا.
وفي السياق العربي والإسلامي، يمكن ملاحظة آثار هذه الظاهرة في كثير من القضايا الفكرية والسياسية والدينية. فكثير من النقاشات التي تبدو وكأنها تشغل المجتمع بأكمله؛ قد تكون في الحقيقة نتيجة تضخيم رقمي لموضوعات محدودة. كما أن بعض الأصوات المتطرفة أو المثيرة للجدل تكتسب حضورًا رقميّا يفوق حجمها الحقيقي والطّبيعي؛ لأن المنصّات صُمّمت أصلا لتُكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الرصانة.
ولذلك اليوم لم يعد الوعي يتشكّل فقط من خلال ما يقوله العلماء والخطباء والأساتذة وسائل الإعلام التقليدية؛ بل أصبح مرتبطًا أيضًا بما تقرّره الخوارزميات من محتويات تستحق أن تَظهر وأخرى ينبغي أن يظل في الخفاء.
وهنا تتجلى أهمية الوعي الذي دعا إليه الإسلام منذ وقت مبكّر. القرآن الكريم دعا الإنسان إلى التثبُّت والتفكّر وعدم الانسياق وراء الظنون والشّائعات؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]. وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وهي توجيهات تبدو اليوم أكثرَ راهنيةً من أي وقت مضى؛ في ظل هذا السيل الجارف من المعلومات والصور والتعليقات.
وتبقى الخوارزميات في حدّ ذاتها مجرّد أدوات؛ يمكن أن تُقدّم خدمات عظيمة للإنسان. والتّحدّي الحقيقي؛ إنّما يكمن في غياب الوعي بطريقة عمل هذه الخوارزميات وتأثيرها. فكلما ازداد الإنسان إدراكًا للآليات التي توجّه انتباهه وتؤثر في اختياراته، ازدادت قدرته على التحرّر من هيمنتها.
ومن هنا تصبح التربية على التفكير النقدي، والتحقّقِ من الأخبار، وتوسيعِ مصادر المعرفة، وعدمِ الاكتفاء بمنصّة واحدة أو رأي واحد؛ تصبح جزءًا من متطلبات المواطنة الرقمية في القرن الحادي والعشرين.
وقد نبّه عدد من الباحثين المعاصرين ومنهم شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) ؛ كاتبة “رأسمالية المراقبة” (Surveillance Capitalism)، المنشور عند Profile Books؛ التي نبّهت إلى أنّ معركة المستقبل لن تكون فقط معركة على الموارد أو الأسواق؛ بل ستكون أيضًا معركةَ منافسةٍ شرسةٍ على “الانتباه البشري” ذاته؛ لأن من يملك القدرة على توجيه الانتباه؛ يملك جزءًا كبيرًا من القدرة على التأثير في السلوك وفي الاختيارات [2].
وفي الأخير، فإن تأثير المنصّات الرقمية اليوم في وعينا قد أصبح أمرًا واقعًا. لكن هل نمتلك من الوعي ما يكفي لكي نكون نحن من يستعمل هذه المنصّات؛ أم أنها ستظلّ هي من يستعملنا؟
وفي الجواب على هذا السّؤال يتحدّد جزء مُهمّ من مستقبل الإنسان في هذا العصر الرقمي.
[1] إيلي باريزر، فقاعة المرشحات (The Filter Bubble)، Penguin Press.
[2] شوشانا زوبوف، عصر رأسمالية المراقبة، Profile Books.





