د. أوس رمّال يكتب: هل ما زالت الديمقراطية الليبرالية نهايةَ التاريخ؟
حلقة في: قراءة تحولات النموذج السياسي الغربي المعاصر

عندما انهار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، شاع لدى كثير من المفكرين والسياسيين الغربيين شعور بأن البشرية قد وصلت إلى نهاية مرحلة طويلة من الصراعات الإيديولوجية الكبرى. وفي هذا السياق، اشتهرت أطروحة المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama) التي حملت عنوان: “نهايةُ التاريخ والإنسان الأخير”، والتي اعتبرت أن الديمقراطية الليبرالية تمثل الصيغة النهائية لتنظيم المجتمعات السياسية، وأنّها النموذجُ الذي ستنتهي إليه البشرية عاجلاً أو آجلاً [1].
وقد بدا هذا التصور –حينئذ- منسجمًا مع موازين القوى الدولية. فقد خرج الغرب منتصرًا من الحرب الباردة، وتوسّعت الديمقراطية الليبرالية في مناطقَ عديدةٍ من العالم، وتزايد الاعتقاد بأن المستقبل سيكون امتدادًا لهذا النموذج السياسي والاقتصادي والثقافي.
غير أن العقود الثلاثة الأخيرة حملت تطوراتٍ لم تكن في حسبان كثير من منظّري “نهاية التاريخ”. فالعالم الذي بدا متّجهًا نحو مزيد من الاستقرار والانفتاح؛ وجد نفسه أمام أزمات متلاحقة: أزماتٍ مالية عالمية، وتصاعدِ الشعبوية، وتراجعِ الثقة في المؤسسات، واتساعِ الفوارق الاجتماعية، وعودةِ النَّزعات القومية، واشتدادِ التنافس الجيوسياسي بين القِوى الكبرى.
وهنا بدأ السؤال يفرض نفسه من جديد:
هل كانت الديمقراطية الليبرالية بالفعل نهايةَ التاريخ؟
أم أنها مجرد مرحلة من مراحل تطور النظم السياسية البشرية؟
وقد كشفت التجارب الحديثة أن الديمقراطية الليبرالية، رغم ما حقّقته من مكاسبَ مهمّةٍ في مجال الحريات والحقوق وتداول السلطة؛ ليست نظامًا معصومًا من الأزمات. فالكثير من المجتمعات الغربية تعيش اليوم نقاشاتٍ حادةً حول: أزمةِ التمثيلية السياسية، وتراجعِ الثقة في النخب، وتأثيرِ المال والشركات الكبرى في القرار العمومي، وقدرةِ وسائل الإعلام والمنصات الرقمية على توجيه الرأي العام.
كما أن صعود الحركات الشَّعبويةِ في عدد من الدول الغربية؛ أظهر أن الديمقراطية ليست محصّنة تلقائيًا ضد الانقسامات أو التوترات الاجتماعية. بل إن بعض الباحثين؛ أمثال ياشا مونك، (Yascha Benjamin Mounk) صاحب كتاب “الشَّعب ضد الديمقراطية”، الذي ترجمه فاضل جَتكَر للشبكة العربية للأبحاث والنشر. باتوا يتحدثون عن “أزمة الديمقراطية” أكثر مما يتحدثون عن انتصارها النهائي [2].
وفي الوقت نفسه، برزت نماذجُ دوليةٌ جديدةٌ حققت نجاحاتٍ اقتصاديةً وتقنيةً مهمةً دون أن تتبنى النموذجَ الليبراليَ الغربيَ بصورته الكاملة؛ الأمر الذي أعاد النقاش حول إمكانية وجود مسارات متعددة للتحديث والتنمية، بدل وجود طريق واحد مُلزِمٍ لجميع الشعوب.
وفي هذا السياق، يبدو أن أحد أكبرِ أخطاءِ بعض القراءات السياسية المعاصرة؛ هو الخلطُ بين المبادئ والقوالب. فالقيم المرتبطة بالعدالة والمشاركة والمساءلة والكرامة الإنسانية تظل مطالبَ إنسانيةً مشروعة؛ لكنَّ تنزيلَ هذه القيمِ في الواقع؛ قد يأخذ أشكالًا وصيغًا متنوعةً بحسب خصوصيات المجتمعات وتاريخها وثقافتها.
ولذلك نجد الفكر الإسلامي لا ينظر إلى النظم السياسية باعتبارها غاياتٍ مقدسةً في ذاتها، وإنما باعتبارها وسائل لتحقيق مقاصد الشرع في إقامة العدل، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة الإنسانية. ولهذا جاء الخطاب القرآني مُركزًا على المقاصد قبل الأشكال، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. كما قرر النبي ﷺ أن المسؤولية هي أساس الولاية؛ فقال: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ولذلك انشغل الفقه السياسي الإسلامي عبر تاريخه بالسؤال عن المقاصد والوظائف أكثر من انشغاله بالأشكال والمؤسسات الجامدة، كما يظهر بوضوح في بناء الإمام الشاطبي لنظرية المقاصد في الموافقات، وكما عبّر ابن القيم بقوله: «فأيُّ طريقٍ استُخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفةً له»[3].
ومن هنا، فإن النقاشات التي تحصر الديمقراطية في ثنائية “القبول المطلق” أو “الرفض المطلق” تبدو قاصرة عن استيعاب الرؤية الإسلامية؛ إذ ليس التحدي الحقيقي في استيراد نموذج جاهز أو رفضه جملة، وإنما في بناء مؤسسات فعّالة، وترسيخ ثقافة المشاركة والمسؤولية، وضمان خضوع السلطة للمحاسبة وسيادة القانون.
لقد علّمتنا التحولات الدولية الأخيرة أن التاريخ لم ينتهِ، وأن الأسئلةَ السياسيةَ الكبرى ما تَزالُ مفتوحة. كما علّمتنا أن أيّ نموذج بشري -مهما بلغت قوتُه واتّسع انتشارُه- يظل قابلًا للمراجعة والنقد والتطوير.
وفي الأخير، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المجتمعات اليوم ليس: ما هو النموذج الذي ينبغي تقليده؛ بل: كيف نبني نظامًا سياسيًا يُحقق العدل ويحفظ الكرامة ويُحسن إدارة الاختلاف ويستجيب لحاجات الناس المتجددة؟ فبمثل هذه الأسئلة تتقدم الأمم، لا بالاكتفاء بترديد أجوبة الماضي أو الانبهار المؤقت بنماذج الحاضر.
——
[1] فرانسيس فوكوياما، (Francis Fukuyama) *نهاية التاريخ والإنسان الأخير*، ترجمه حسين أحمد أمين، لمركز الأهرام للترجمة والنشر.
[2] ياشا مونك، Yascha Benjamin Mounk)) *الشعب ضد الديمقراطية*، ترجمه فاضل جَتكَر، للشبكة العربية للأبحاث والنشر.
[3] أبو إسحاق الشاطبي، *الموافقات في أصول الشريعة*، ج2، كتاب المقاصد.




