الرئيسية-دروس ومواعظمقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

اَلرَّسُولُ ﷺ مُرَبِّيًا وَمُعَلِّمًا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله  رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، وبعد:

جاءت خطبة الجمعة ليوم 22 ربيع الأول 1448هـ الموافق لـ 04/09/2026م تحت عنوان: “اَلرَّسُولُ ﷺ مُرَبِّيًا وَمُعَلِّمًا” استمراراً لاستخلاص دروس وعبر ذكرى مولده ﷺ وسيرته العطرة، مع ربطها بمناسبة للدخول المدرسي، فالمناسبة شرط كما يقال.

ملاحظات على الخطبة:

1- أكدت الخطبة الموحدة على أن التعليم والتربية من أعظم مقاصد رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان خير معلم ومربٍّ، وفي ذلك رد قوي على من اعتبر أميته منقصة في حقه صلى الله عليه وسلم.

يقول القاضي عياض: “وكذلك إذا وصف بأنه أُمِيٌّ كما وصفه الله به فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه، وقاعدة معجزته، إذ معجزته العظمى في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم، مع ما منح صلى الله عليه وسلم، وفضل به من ذلك، ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقن مقتضى العجب، ومنتهى العبر، ومعجزة البشر”[1].

ويؤكد الرازي في تفسيره الإعجاز في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم: “الْمُعْجِزَاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي ذَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ، وَأَجَلُّهَا وَأَشْرَفُهَا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْ أُسْتَاذٍ، وَلَمْ يُطَالِعْ كِتَابًا، وَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ مُجَالَسَةُ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ… فَكَانَ ظُهُورُ هَذِهِ الْعُلُومِ الْعَظِيمَةِ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا أُمِّيًّا لَمْ يَلْقَ أُسْتَاذًا وَلَمْ يُطَالِعْ كِتَابًا مِنْ أَعْظَمِ الْمُعْجِزَاتِ”[2]. ومن ثم فأميته صلى الله عليه وسلم كمالٌ في حَقِه، مع أنها في غيره وصف نقصان، وهي كذلك دليل من دلائل نبوته.

 2- كونُ اَلرَّسُولِ ﷺ بعث مُرَبِّيًا وَمُعَلِّمًا فيه إشارة إلى ضرورة اقتران التعليم بالتربية، فلا تعليم بغير تربية صالحة،  ولا تربية صالحة بغير تعليم. كما قال تعالى في شأن نبيه ﷺ: ﴿هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ﴾.

فالتعليم يتناول تحصيل المعرفة غالباً من الناحية العقلية، التي تمكن الفرد من اكتساب المعارف والمعلومات. والتربية هي عملية تنمية قوى المرء المختلفة، وتنمية جميع جوانب شخصيته. وعليه فالتعليم أداة البِناء، والتربية أداةُ التغيير.

والجمع بين التعليم والتربية هو المنهج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم في بناء جيل قرآني فريد مؤمن بالعلم والعمل والأخلاق.

3- كان يمكن للخطبة الموحدة أن تتوسع في المثال الذي اختارته وهو  حديث “يا غلام احفظ الله يحفظك”، فهو مثال حيّ على هذه التنشئة الإسلامية الفريدة للأجيال المؤمنة في عهد النبوة، بما يحتويه هذا المثال على وصايا عظيمة، وقواعد مهمة، لا غنى للمسلم عنها.

قال ابن رجب رحمه الله: “وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمةً، وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلِّها،” وقال عنه ابن الجوزي: ” تدبرت هذا الحديث، فأدهشني وكدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه”[3].

ومن الكتب التي اعتنت بجانب التربية والتعليم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب “الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم وأساليبه في التعليم” للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وكتاب “تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الكتاب والسنة”، للأستاذ خالد القرشي.

4- مع تنويه الخطبة بمكانة العلم والتعليم والتربية في الاسلام، إلا أنه من المؤسف جداً أن لا يزال بلدنا المغرب يحتل منذ مدة مراتب متأخرة في جودة التعليم، إذ ما فتئت الدراسات تصنف التعليم في بلدنا في مراتب متأخرة، وكان آخر هذه الدراسات ما كشف عنه تقرير مؤشر الازدهار العالمي 2026 الصادر عن معهد ليغاتوم، أن قطاع التعليم لا يزال يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المغرب، رغم التحسن الذي سجلته المملكة في عدد من المؤشرات المرتبطة بالاستثمار والبنية التحتية وبيئة الأعمال. إلا أن ضعف التعليم يكبح تقدم المغرب في تصنيف الازدهار. وصنف التقرير المغرب في مجال التعليم في المرتبة 122 عالمياً من أصل 161 دولة شملتها الدراسة.

5- عرف إصلاح التعليم بالمغرب منذ الاستقلال مجموعة من البرامج الإصلاحية التي أغلبها لم تحقق أهدافها المرجوة إلى الآن، وعلى سبيل المثال كشف كتاب جديد يحمل عنوان:” إصلاح التعليم بالمغرب: تقييم العقد 2015-2025 “، الصادر عن “مؤسسة أماكن لجودة التربية والتعليم” خلال شهر شتنبر من سنة 2026، أن السياسة التعليمية المتبعة خلال السنوات العشر الماضية لم تحقق أهدافها الأساسية المتمثلة في الجودة والإنصاف، مبرزا أن 19 معيارا للنجاح من أصل 32 تم تقييمها تعتبر غير محققة إطلاقا.

وأوضح التقرير الشامل الذي أعده الخبير عبد الناصر ناجي استنادا إلى الإطار المندمج لتقييم جودة التعليم، وجود مفارقة مغربية صارخة تتجلى في التفوق على مستوى التصور الاستراتيجي وإعداد القوانين، مقابل فشل واسع في تحويل هذه النصوص إلى ممارسات فعلية داخل الفصول الدراسية، وذلك على الرغم من الميزانيات الضخمة التي خصصتها الدولة للقطاع والتي قاربت ستة بالمائة من الناتج الداخلي الخام وربع الميزانية العامة.

6- إن نجاح العملية التعليمية رهين بقيام كل معني بها بما يجب عليه، لذلك كان يليق بالخطبة بهذه المناسبة أن ترسل رسائل واضحة لكل فئة معنية بالعملية التعليمية قياما بواجب النصح لله ولدينه. ومن أول المعنيين بالنصيحة والتوجيه:

أولا: التلاميذ والطلبة:

فمن أجلهم صرفت الأموال، وبنيت المدارس والجامعات، ووضعت البرامج والمقررات، ووظف الأساتذة والمعلمون، فالواجب عليهم أن يتحملوا مسؤوليتهم فيما أنيط بهم، وأن يعرفوا أن مصلحتهم في التعلم واكتساب المعارف التي تبني شخصيتهم وتؤهلهم لخوض غمار الحياة في المستقبل، وعليهم أن  يبذلوا جهدهم ويغتنموا أوقاتهم فيما ينفعهم، وقصة[4] ابن عباس في طلبه للعلم وعمره ثلاثة عشر سنة بعد وفاة رسول الله ﷺ معروفة حتى صار من أعلم وأفقه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

فإلى متى سيظل أبناؤنا يتنصلون من المسؤولية الفردية وتعليق فشلهم وتقصيرهم على الآخرين؟.

ثانيا: المدرسون:

قال أحمد شوقي:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّه التَبجيلا                    كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي         يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

أفضل الوظائف في الحياة هي مهنة التدريس، مهنة التضحية والبذل والعطاء، والمدرس صاحب رسالة يسعى إلى بذل وسعه وجهده في عمله، إخلاصا لله تعالى، فهو الرقيب على عمله، لا يحتاج إلى مفتش أو مراقب.

وهو حريص على الانضباط في الوقت والقيام بالواجب في تدريس وإفهام التلاميذ وإكمال المقررات الدراسية، بحيث لا يحتاج تلاميذه إلى دروس الدعم  والتقوية التي ترهق كاهل الأسر.

وهو قدوة بأخلاقه لتلاميذه، لا يسبهم  ولا يحتقرهم ولا يبتزهم ولا يفرق بينهم في المعاملة، أو يحابي أحدا منهم لقرابة أو منفعة، يعاملهم بالعدل والانصاف. إذا رأى في تلميذ تهاونا في دراسة أو انحرافا في سلوك استدعى ولي أمره وتتبع مشكلته.

ومن روائع تراثنا التربوي ما جاء عن ابن جماعة (ت. 733هـ) بخصوص آداب معاملة العالم أو الشيخ لطلبته، يقول ابن جماعة: “أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه… وإذا غاب بعض الطلبة أو مُلازِمي الحلقة زائدًا عن العادة سأل عنه وعن أحواله وعن من يتعلق به، فإن لم يُخْبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل، فإن كان مريضًا عاده، وإن كان في غم خفض عليه، وإن كان مسافرًا تفقد أهله ومن يتعلق به وسأل عنهم وتعرض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإن كان فيما يحتاج إليه فيه أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك تودد عليه ودعا له”[5].

ثالثا: الأسرة

إن مجموعة من المبادئ التربوية الأساسية ينبغي أن يتلقاها الأبناء في الأسرة، مثل أخلاق التعامل والتزام النظام وحسن الحديث وآدابه ونظافة الجسم واللباس وحسن الهيئة وغير ذلك. قال رسول الله ﷺ: «إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاهُ، أَحَفِظَ ذلك أم ضَيَّعَ؟ حتَّى يُسألَ الرَّجلُ على أهلِ بيتِهِ»[6].

ولا تخفى مسؤولية الأسرة في تتبع أبنائها في سير دراستهم، سواء من حيث الحضور والمواظبة والسلوك داخل المؤسسة التعليمية، أو من حيث استيعاب الدروس وإنجاز الفروض على أن تكون الزيارة بصفة دورية، فإن ذلك يتيح التدخل في الوقت المناسب لأي طارئ وإصلاح م يمكن إصلاحه. على أن العلاقة بين الأسرة والمدرسة ينبغي أن تكون علاقة تعاون وتكامل وليس علاقة صراع وخصومة.

رابعا: القطاع الوصي على المجال

  • من الأمور المهمة الملقاة على وزارة التربية الوطنية هي العمل على تجديد المقررات الدراسية، وتجاوز الجمود الذي طال المنهاج الدراسي الوطني الذي لم يشهد أي مراجعة شاملة منذ سنة 2002.
  • كل دول العالم التي تحترم هويتها وحضارتها تدرس المواد العلمية بلغتها الرسمية، إلا المغرب فإنه اختار اللغة الفرنسية في تدريس المواد العلمية، الأمر الذي تسبب في صدمة معرفية وانهيار في النتائج، وظهرت عدة تحديات للتلاميذ على مستوى استيعاب اللغة الفرنسية  ثم مضمون المواد العلمية.
  • لا بد من العناية برجال ونساء التعليم ماديا ومعنويا، حتى يعاد له الاعتبار، وتحفظ له مكانته في المجتمع، فلا يحتاج إلى الانخراط في الدروس الخصوصية أو العمل في القطاع الخاص الذي تسمح به إلى حد الآن الوزارة الوصية كما هو الشأن بخصوص الأطباء الذين تسمح لهم وزارة الصحة بالعمل في المصحات الخاصة مما يؤثر سلبيا   على عملهم في القطاع العمومي.

خامسا: جمعية آباء وأولياء  وأمهات التلاميذ:

فهي فاعل أساسي في العملية التعليمية، وإن من أدوارها حسب الإطار القانوني الأساسي المنظم لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ بالمغرب:

  • تعزيز التواصل بين الأسر والمدرسة
  • تحسين البيئة التعليمية والتربوية
  • دعم ومساعدة التلاميذ في وضعية صعبة
  • المساعدة في معالجة الظواهر السلبية خارج المؤسسة بالتنسيق مع السلطات المحلية.
  • عقد شراكات مع مؤسسات في المجتمع لتنشيط فضاء المؤسسة التعليمية.

سادسا: وسائل الإعلام

إن وسائل إعلام عديدة في بلادنا وجدت في رجل التعليم مادة دسمة للتحقير والإساءة والتفكه، وتمرير خطابات لا تخلو من العدائية وسوء النية، والتركيز المبالغ فيه على السلبيات الفردية. تلك الإساءات لها انعكاسات خطيرة من حيث ترسيخ وتكريس دونية المدرس في المنظور الاجتماعي، وتسفيه جهوده ورسالته في الوقت  الذي نتحدث فيه عن  إصلاح التعليم ومحورية دور المدرس فيه. وهذا التحامل على من يشكلون قدوات صالحة في المجتمع له أهداف خبيثة، على رأسها إسقاط الثقة بهم ونزع المصداقية عنهم.

سابعا: السلطات المحلية والأمنية

ينبغي أن يكون الفضاء المحيط بالمؤسسات التعليمية سليما مراقبا، إذ قد يستغل في ترويج الدخان والمخدرات بين القاصرين، أو في التحرش بالفتيات والفتيان، وقد تفتح بجانبها مقاهي الشيشة والكولفزور، وقد تتحول هذه المقاهي إلى أوكار تفسد أخلاق أبنائنا. فمن واجب الإدارة التربوية بالمؤسسات التعليمية- حماية لمحيطها الخارجي- أن تكون على تواصل كلما دعت الضرورة مع فرقة الأخلاق العامة، وهي وحدة أمنية متخصصة تابعة للشرطة القضائية بالمديرية العامة للأمن الوطني، تهدف إلى مكافحة الجرائم الماسة بالآداب العامة والنظام الأخلاقي تحت إشراف النيابة العامة.

والحمد لله رب العالمين


مراجع:

[1] – الشفا بتعريف حقوق المصطفى، 2/561.

[2] – تفسير الرازي، 15/385.

[3] – جامع العلوم والحكم لابن رجب، (1/ 361). وقد خص ابن رجب حديث ابن عباس برسالة حاصة سماها: “نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس”.

[4] – سير أعلام النبلاء: 3/343

[5] – تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، ص: 61-62.

[6] – صحيح الجامع برقم: (1774)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1636)

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى