أنشطة رئيس الحركةالرئيسية-قضايا و آراء

د أوس رمّال يكتب : من يملك المستقبل: المال أم المعرفة؟

حين تغيّرت مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين

منذ قرون طويلة، ارتبطت القوة في أذهان الناس بما تملكه الدول من الأرض والثروات والجيوش. وكانت الإمبراطوريات تُقاس باتساع حدودها، وتُرسم خرائط النفوذ وفق ما تمتلكه من موارد طبيعية أو قدرة عسكرية. وحتى وقت قريب، ظل النفط والذهب ورؤوس الأموال يمثلون العنوان الأبرز للقوة الاقتصادية والسياسية.

غير أن العالم الذي نعيشه اليوم يشهد تحولًا هادئًا، ولكنه عميق. فالدول التي تتصدّر المشهد العالمي ليست بالضرورة الأكثر امتلاكًا للثروات الطبيعية، وإنما الأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وتحويلها من معرفة إلى تكنولوجيا، ثم من تكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية ونفوذ سياسي. وهنا يبرز سؤال لم يكن مطروحًا بهذه الحدة من قبل: من يملك المستقبل حقًا؟ أهو من يملك المال، أم من يملك المعرفة؟

لقد كشفت العقود الأخيرة أن المال -على أهميته- لم يعد وحده مصدر القوة. فالشركات التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم لم تبنِ مكانتها على امتلاك المناجم أو حقول النفط، بل على امتلاك العقول، والابتكار، والبيانات، والبحث العلمي. وأصبحت الجامعات ومراكز البحث، في كثير من الأحيان؛ لا تقل أهمية عن المصانع، بل ربما أصبحت هي المصانع الحقيقية للمستقبل.

ولذلك لم يعد الحديث عن “اقتصاد المعرفة” مجرّد شعار أكاديمي، بل أصبح وصفًا لتحول حضاري عميق، انتقلت فيه القيمة من امتلاك الموارد إلى امتلاك القدرة على إنتاج الأفكار وتطويرها. وقد أشار بيتر دراكر (Peter Ferdinand Drucker) منذ عقود إلى أن المورد الاقتصادي الأساسي في القرن الجديد لن يكون رأس المال ولا العمل اليدوي، وإنما المعرفة نفسها، وأن “عامل المعرفة” سيصبح الفاعل الرئيس في الاقتصاد الجديد[1].

غير أن المعرفة التي تصنع المستقبل ليست مجرد تراكم للمعلومات، وإنما هي قدرة على الفهم، والتحليل، والابتكار، وتحويل الأفكار إلى حلول. ولذلك قد تمتلك أمة ثروات هائلة، لكنها تبقى تابعة لغيرها إذا عجزت عن إنتاج المعرفة التي تدير تلك الثروات.

ومن اللافت أن القرآن الكريم قرر هذه الحقيقة قبل أن تعرفها النظريات الاقتصادية الحديثة، حين جعل العلم أساسًا للتفضيل والتمكين، فقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. كما رفع منزلة أهل العلم بقوله سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. ولم يكن أول ما نزل من الوحي أمرًا بجمع المال أو بناء القوة العسكرية، وإنما كان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. وكأن الرسالة الخاتمة تعلن منذ لحظتها الأولى أن طريق العمران يبدأ من المعرفة.

غير أن الرؤية الإسلامية لا تجعل المعرفة غاية مستقلة عن القيم، بل تربطها بالمسؤولية والأمانة وخشية الله ﴿إِنَّمَا يَخْشَــى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماء﴾[فاطر: 28]. فالعلم الذي لا يهدي إلى الخير قد يتحول إلى أداة للهيمنة أو الإفساد. ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من «علمٍ لا ينفع»، في إشارة إلى أن قيمة المعرفة لا تقاس بقدرتها على الإنتاج وحده، بل بقدرتها على خدمة الإنسان وإعمار الأرض.

ومن هنا يختلف المنظور الإسلامي عن بعض التصورات المادية التي تختزل المعرفة في بعدها الاقتصادي. فالمعرفة في الإسلام ليست مجرد وسيلة للسيطرة، وإنما هي أمانة، ورسالة، وعمران. وقد قرّر الإمام الشاطبي أن حفظ العقل أحد المقاصد الكبرى للشريعة، لأنه به تقوم مصالح الدين والدنيا، وبه يتحقّق الاستخلاف الرشيد[2].

وفي عالمنا العربي والإسلامي، لا تزال كثير من السياسات التنموية تنظر إلى التعليم والبحث العلمي باعتبارهما قطاعين من قطاعات الإنفاق، بينما أصبحت الأمم المتقدمة تنظر إليهما باعتبارهما الاستثمار الأعلى عائدًا. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كم ننفق على المعرفة؟ بل: هل جعلنا المعرفة محورًا في مشروعنا الحضاري؟

وقد نبّه مالك بن نبي إلى أن النهضة لا تُشترى بالمال وحده، ولا تُستورد من الخارج، وإنما تبدأ حين تتغير الأفكار التي تحرك المجتمع، لأن “عالم الأفكار” هو الذي يوجّه عالم الأشياء وعالم الأشخاص[3]. وهذه الفكرة تزداد راهنية اليوم، حيث لم يعد السباق بين الدول سباقًا على الثروات فقط، بل على العقول المبدعة، والجامعات الرائدة، والقدرة على إنتاج المعرفة وتوطينها.

وفي الأخير، قد يكون السؤال الأدق ليس: هل المال أهم من المعرفة؟ فالمال سيظل ضرورة من ضرورات العمران. وإنما السؤال: من الذي يصنع الآخر؟ إن المال يستطيع أن يشتري المعرفة زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يبتكرها دائمًا. أما المعرفة، فإنها قادرة على أن تنتج المال، وأن تبني القوة، وأن تصنع المستقبل. ولذلك فإن الأمم التي تريد أن يكون لها مكان في القرن الحادي والعشرين، لا يكفيها أن تبحث عن الثروة، بل ينبغي أن تبحث أولًا عن العقل الذي يحسن إنتاجها وتوجيهها.

[1] بيتر دراكر (Peter Ferdinand Drucker) مجتمع ما بعد الرأسمالية (Post-Capitalist Society)، حول انتقال الاقتصاد من رأس المال إلى المعرفة.

[2] أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، ج2، كتاب المقاصد، في حفظ العقل ومكانته ضمن المقاصد الكلية.

[3] مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، في أولوية عالم الأفكار في بناء الحضارات.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى