مقررة أممية تحذر من “أسرلة” المجتمعات الغربية وتغلغل نموذج القمع المغلف بالديمقراطية

حذّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، من تغلغل ظاهرة أطلقت عليها اسم “أسرلة” المجتمعات الغربية، مؤكدة أن نموذج الاحتواء والقمع المتخفي برداء الديمقراطية الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي بدأ يتسرب بشكل متسارع إلى الأنظمة الغربية.
وأوضحت الخبيرة الأممية، في تصريح نشرته على منصة «إكس»، حظي باهتمام إعلامي وحقوقي واسع، أن هذا التحول يظهر بوضوح في التراجع الحاد لتقبل المعارضة السلمية وتقييد مساحات الاحتجاج العام في الدول التي لطالما تغنت بحماية الحريات.
وعزت ألبانيز هذا الانحراف السلطوي المتصاعد محليا إلى ضغوط سياسية وأيديولوجية مكثفة تقودها جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل لخدمة مصالح خاصة ضيقة، مما يشكل تهديدا بنيويا حقيقيا للمبادئ الديمقراطية العالمية وحقوق الإنسان الأساسية.
ويرتكز التحليل الذي قدمته المقررة الخاصة على رصد آليات توظيف الأنظمة القانونية والأجهزة الأمنية لتطويق النشاط السياسي والمدني؛ حيث تتبنى الهيئات التنظيمية والشرطية في عدة دول غربية تعريفات وتوجيهات فضفاضة تهدف إلى تجريم وتشويه أي نقد موجه لسياسات الاحتلال.
وينعكس هذا المنحى الممنهج في تزايد الضغوط لفرض “أمننة” الحياة المدنية وتعميم المقاربات الأمنية الإسرائيلية، بحيث يعامل كل تهديد سياسي أو شعبي معارض كـ”قضية أمنية” تمس النظام العام، مما يؤدي تلقائيا إلى تآكل حقوق الإنسان وتغول أجهزة الاستخبارات والرقابة والمنع.
وحذرت ألبانيز من أن تطبيع هذا العنف الإداري والسياسي داخل المؤسسات الغربية يسهم في صياغة بيئة عامة تقبل التضييق وتشرعنه تحت مسميات مكافحة الإرهاب أو الحفاظ على الأمن، وهو ما يطابق بدقة جوهر البنية القمعية الإسرائيلية.
وتتلاقى تحذيرات الخبيرة الأممية مع تقارير حقوقية دولية حديثة رصدت تراجعا غير مسبوق في جودة الفضاء المدني والحريات العامة في الغرب؛ إذ وثق تقرير “منظمة سيفيكوس الدولية” لعام 2025 تراجع تصنيف دول ديمقراطية كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا إلى فئة البيئات “المقيدة” أو “المعوقة” بسبب السياسات العقابية القاسية تجاه حركات الاحتجاج السلمي.
وشهدت هذه البلدان حملات تضييق غير مسبوقة ضد التجمعات الطلابية والتظاهرات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني، شملت اعتقالات جماعية، وتفعيل قوانين مكافحة الإرهاب ضد النشطاء السلميين، وفرض حظر على الجمعيات والهيئات التضامنية، فضلا عن الضغوط الأكاديمية وقمع الاحتجاجات السلمية بالجامعات، مما يؤكد المخاوف من صعود ممارسات سلطوية بنيوية تعاقب التعبير الحر وتستهدف كسر وعي الأجيال الناشئة.
وقد أثارت مواقف ألبانيز الجريئة ردود فعل عدائية حادة من جانب واشنطن وعواصم أوروبية، تجسدت في فرض الولايات المتحدة عقوبات مالية وإدارية ضدها بقرار من وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي اتهمها بشن “حرب سياسية واقتصادية” لتوثيقها دور الشركات الغربية في دعم ما وصفته بـ”اقتصاد الإبادة” في فلسطين.
وتزامن ذلك مع مطالبة وزراء خارجية عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا والنمسا وألمانيا، للمقررة الخاصة بالاستقالة بدعوى الإساءة للقيم المشتركة.
وفي المقابل، هبت منظمات حقوقية دولية، على رأسها منظمة العفو الدولية (أمنستي) ومؤسسة “الكرامة”، للدفاع عن ألبانيزي، داعية الحكومات الغربية إلى التراجع الفوري عن هذه “الهجمات الشائنة” والاعتذار عنها علنا.
واعتبرت هذه المنظمات أن استهداف خبيرة دولية مستقلة لمجرد أدائها لمهامها الأممية يمثل سابقة خطيرة تعكس انحيازا أعمى يفقد الغرب مبرراته الأخلاقية، ويهدد أسس النظام الدولي القائم على الشرعية والقانون.




