الرئيسية-دروس ومواعظمقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

"فَضْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَهَمُّ ثِمَارِهَا"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

جاءت خطبة الجمعة ليوم 06 ربيع الآخر 1448هـ الموافق لـ 18 سبتمبر 2026 مخيبة للآمال، حيث كان ينتظر منها أن تتناول موضوع الانتخابات التشريعية وما يجب على المواطنين مراعاته فيها من تجرد ووعي ورشد وسداد لاختيار نواب الأمة. لكن كاتب الخطبة الموحدة اختار موضوع “فَضْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَهَمُّ ثِمَارِهَا” كنوع من الهروب إلى الأمام وكأن الشأن السياسي لا يهم الفاعل الديني في شيء.

ولسائل أن يسأل من يسعى إلى إضعاف الخطاب الديني الرسمي وتقزيم أدواره الإصلاحية حتى يبقى بعيداً عن قضايا المجتمع الحية؟

وهل يخشى الفاعل الديني إن شارك في تناول قضايا المجتمع وبيان وجهة نظر الشرع فيها أن يُحسَب على طرف دون طرف؟ فلذلك يلزم الصمت في كثير من القضايا المجتمعية ويتحاشى الظهور؟

ولكن لماذا نراه حاضرا مع جهات حزبية دون أخرى؟ مثل حضور الأساتذة سعيد شيار الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، وإدريس بن الضاوية رئيس المجلس العلمي للعرائش، ومحمد بنكيران رئيس المجلس العلمي للفحص أنجرة في ندوة لمؤسسة علال الفاسي يوم الأربعاء 11 مارس 2026 م بحضور نزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال ورئيس مؤسسة علال الفاسي، هل فيه إشارة ما؟ ونحن في سنة انتخابية؟

ملاحظات على الخطبة:

1- إنه من المؤسف جدا أن ترسل الوزارة الوصية لخطباء المملكة خطبا موحدة في قضايا بعيدة عن اختصاصها مثل خطب عن أهمية الرضاعة الطبيعية للأم وعن فوائد اقتناء الملح المدعم بمادة اليود، وعن التحذير من داء سعار الكلاب، وهي مواضيع لها أهمية بلا شك ولها تأثير على صحة المواطن، لكنها من حيث مواضيعها أقرب إلى قطاع الصحة منها إلى الشأن الديني، وكانت تكفي فيها الإشارة عوض إفرادها بخطب خاصة؛ وفي المقابل تنأى الخطبة الموحدة بنفسها عن تناول مشاكل الناس وهمومهم.  

2- ورد في تقديم كتاب “خطة تسديد التبليغ” وهي عبارة عن مشروع دعوي تبنته مؤسسة العلماء ما نصه-: “تَتَغَيَّا خطة التبليغ كذلك، أن يتحقق الناس بسعادتهم الدنيوية وبفلاحهم الأخروي، وتراهن في ذلك على تفعيل منظومة قيم الدين وأخلاقه في مجالات الحياة المختلفة انسجاما مع روح الدين وفلسفته في شمولها واستيعابها، وفي تأطيرها وتسديدها لأحوال الناس الخاصة والعامة.

ولهذا فإن المقصود من الخطبة أن تكون استثمارا عمليا في هذه القيم والأخلاق التي كانت، على امتداد الرسالات السماوية وتواترها جوهر الديانات والمضامين الأساسية فيها؛ فيحضر الدين في منظور هذه الخطة باعتباره مصدر سعادة للناس في حياتهم الدنيا قبل الآخرة، كما يحضر فاعلا تنمويا داعما لبرامج النهوض والتنمية في قطاعات التربية والتعليم والاقتصاد والصحة والأسرة والمجتمع والبيئة…؛ ومساهما في الحد من آفات تعاطي المخدرات، والوقوع في الجرائم وحوادث السير والارتشاء والخيانة والغش والكذب، والكبر…، ومُنَميا للوازع الذاتي في الوظائف والمهن والمسؤوليات المختلفة وفاء وإخلاصا، التزاما وإتقانا…؛  ذلك أن الالتزام بهذه القيم المادية والمعنوية، كان ولا يزال عاملا حاسما في نهضة الأمم وتقدمها؛ كما كان للإخلال بها الدور الحاسم في سقوطها وانحدارها، بل إنها من منظور الدين ترتقي إلى كونها “سننا” في التغيير والإصلاح، لا يحدث شيء من ذلك إلا بإعمالها وفق شروطها ونظامها في الاشتغال.”

كل هذا كلام جيد عن المشروع الدعوي لمؤسسة العلماء، لكننا نشهد اليوم غياب تسديد التبليغ عن امتحان كبير، ومصداقته على المحك، فهو في كثير من القضايا التي تتفاعل في المجتمع يسكت ولا يبادر بل ينتظر الإذن، وأهل تسديد التبليغ يحاصرون أنفسهم بعدة اعتبارات أكثر مما هم محاصرون من الوزارة الوصية، كيف لحدث مثل الانتخابات التشريعية بما له من الأهمية والتأثير في مستقبل الوطن أن يمر مرور الكرام ولا يحظى ولو بالتفاتة من طرف المؤسسة العلمية الرسمية.

أخشى أن يكون اختيار موضوع “فَضْل الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَهَم ثِمَارِهَا” نابعاً عن تصور يختزل الدين في كونه شأنا خاصا يؤطر علاقة الإنسان بربه وكفى، ولا شأن له بالحياة العامة.

3- بالرغم من اختيار موضوع الصلوات الخمس لخطبة الجمعة، إلا أنه كان من الممكن استثمار ثلاثة نصوص وردت في الخطبة وربطها بموضوع الانتخابات التشريعية:

الأول: يقول الحق سبحانه: ﴿اُتْلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ اَ۬لْكِتَٰبِ وَأَقِمِ اِ۬لصَّلَوٰةَۖ إِنَّ اَ۬لصَّلَوٰةَ تَنْه۪ىٰ عَنِ اِ۬لْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِۖ وَلَذِكْرُ ا۬للَّهِ أَكْبَرُۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَۖ﴾ سورة العنكبوت.

قال ابن عطية: “وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات صلحت بذلك نفسه، وخامرها ارتقاب الله تعالى، فاطرد ذلك في أقواله وأفعاله، وانتهى عن الفحشاء والمنكر “

وقال ابن عاشور: “إن الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى، إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله. ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجيه إليه بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب ما يغضبه وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه فذلك صدّ عن الفحشاء والمنكر .”

إن الدعوة إلى إقامة الصلاة مدخل أساس للإصلاح وتقويم سلوك الناس، وتخليق الحياة العامة.

الثاني : الحديث الذي جاء في الخطبة الموحدة ” أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ -أَيْ: وَسَخِهِ- شَيْءٌ؟» قَالُواْ: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: “فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا.”

فيه إشارة إلى عظيم حرمة الصلاة، حيث يقوم العبد بين يدي الله تعالى خمس مرات في اليوم مقام الذليل الراغب الراهب الخائف الراجي المسكين المتضرع.

وفي هذا المعنى يقول ابن القيم: ” للعبد بين يدي الله موقفان: موقفٌ بين يديه في الصلاة، وموقفٌ بين يديه يوم لقائه. فمن قام بحق الموقف الأول هُوِّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يُوفِّه حقَّه شُدِّد عليه ذلك الموقف. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ سورة الإنسان.

الثالث: جاء في الخطبة قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يكتب إلى عماله: إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِسِوَاهَا أَضْيَعُ.”

فيه إشارة إلى أن من واجبات إمام المسلمين المهمة أن يحفظ فروض الدين، ليس في نفسه فحسب، بل في أمته أيضا وخاصة فيمن تولى مسؤولية عامة؛ لأنه إذا دخل النقص في هذه الفروض، فإنه يمتد إلى الدين، ولا يبقى على حاله بل يتسع ويزيد حتى يأتي الأمر على الدين كله.

هكذا كانت الأمور بالنسبة لعمر رضي الله عنه فكانت الصلاة من أهم الأمور إليه، فهي ميزة المسلمين وشعارهم، أليس من أقامها قد أقام الدين؟! أو ليس من صلحت صلاته صلح سائر عملـه؟! لذلك لم يبلغ شـيء عند عـمر رضي الله عنه من العناية ما بلغته الصلاة. وتبرز أهمية وصية عمر بن الخطاب لعماله بالصلاة فيما يلي:

  • أنها ميزان الأعمال إذ اعتبر عمر رضي الله عنه أن الصلاة هي الشعار الأعظم للمسلمين، وأن صلاحها يعكس صلاح سائر العمل.
  • أنَّ بها يتم حفظ الدين وأن التفريط فيها دليل على التخلي عن باقي الواجبات والأمانات بشكل أكبر.
  • أنَّ عمر رضي الله عنه كان يرى أن الوالي أو العامل وكل من تولى في الأمة مسؤولية إذا استقام على أمر الله وأقام الصلاة في وقتها، انعكس ذلك على أمانته وعدله في إدارة شؤون الرعية والبلاد.

والحمد لله رب العالمين

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى