ما لم تقله خطبة جمعة الأسبوع

اختار كاتب خطبة هذه الجمعة الحديث عن أَهَمِّيَّةِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِما، بالرغم من تناول الجمعة الماضية لموضوع الذكر، ولا شك أن الاكتفاء بموضوع واحد في الخطبتين يفسح للخطيب المجال لاستيفاء جميع عناصره، بالنظر إلى كون الخطبة مختصرة، ومراعاة لجمهور المصلين بعدم تشتيت أذهانهم بتعدد المواضيع والنصوص، وهو من مقاصد تسديد التبليغ.
ملاحظات على الخطبة:
أولا- استعانت الخطبة بسبع بآيات وخمسة أحاديث، لبيان فضل الذكر والدعاء والعلاقة بينهما، وأوجه حضور الذكر في سائر العبادات، وغابت المنهجية في الخطبة مما أربكها في كثرة إيراد النصوص، فبدأت بفضل الذكر وعادت إليه في الخطبة الثانية، والأصل في بناء الخطبة أن تبدأ ببيان أهمية الموضوع والتعريف به وحاجة الناس إليه، ثم عن حكمه في الشرع وفضله، ثم هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم الفوائد العملية والتربوية وما يعين أو يعيق تمثله على أرض الواقع. وهذه المنهجية تسهل انتظام نصوص القرآن والسنة الواردة في الموضوع ضمن الخطبة حسب موضوعها، ويمكن من اختيار الأنسب منها والأقوى دلالة على المعنى المراد بيانه.
ثانيا- في استهلال الخطبة أشارت إلى قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِـيـراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ سورة الأحزاب، وكان من الأفضل الوقوف عندها، لأنها اشتملت على:
– حكم الذكر في الشرع: {اذْكُرُواْ اللَّهَ}، فعل أمر للوجوب.
– وعلى صفته: {ذِكْراً كَثِـيـراً}، فاشتَرَط اللهُ الكَثرةَ في الذِّكرِ حيثما أَمَر به، بخِلافِ سائِرِ الأعمالِ. وقد ذكرت في المقال السابق فتوى ابن الصلاح في حد الذكر الكثير.
– وعلى نماذج منه: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً.}، والتسبيح من جملة الذكر، وإنما اختصه الله -تبارك وتعالى- من بين أنواعه ليبين فضله على سائر الأذكار.
ثالثا- لم تذكر الخطبة هدي النبي ﷺ في الذكر لا إجمالا ولا تفصيلا، مع حاجة المستمعين إلى معرفة هديه في ذكر الله، وحتى يسهل على المسلم ذكر الله تعالى فإن هناك أربعة أنواع يندرج تحتها الذكر:
- أذكار الصباح والمساء، وهي متيسرة الآن في مطويات ومسجلة بالصوت والصورة.
- أذكار الأحوال والمناسبات المختلفة، كأذكار دخول المسجد أو الخروج منه، أو دخول البيت والخروج منه، أو الأكل والنوم أو السفر وغيرها.
- الأذكار والدعوات عقب الصلوات المكتوبات. وهي الباقيات الصالحات.
- الذكر المطلق. (تسبيح، تحميد، تكبير، استغفار، صلاة على رسول الله…).
ومما قاله ابن القيم في زاد المعاد في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الخلق ذكرا لله عز وجل، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا منه لله، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه وأفعاله، ووعده ووعيده، ذكرا منه له، وثناؤه عليه بآلائه، وتمجيده وحمده، وتسبيحه ذكرا منه له، وسؤاله ودعاؤه إياه، ورغبته ورهبته ذكرا منه له، وسكوته وصمته ذكرا منه له بقلبه، فكان ذاكرا لله في كل أحيانه، وعلى جميع أحواله، وكان ذكره لله يجري مع أنفاسه، قائما وقاعدا وعلى جنبه، وفي مشيه وركوبه، ومسيره ونزوله، وظعنه وإقامته”. [1]
رابعا- لم تشر الخطبة إلى أثر الذكر والدعاء في حياة الناس الخاصة والعامة، وكأنه عبادة فردية لا علاقة لها بواقع الناس، مع أن خطة تسديد التبليغ جاءت لتربط الدين بحياة الناس، من خلال ربط العقيدة والعبادة بالسلوك اليومي، وتقليص الفجوة بين الفضائل الدينية وممارسات الناس. ومن ثم فإن من أهم مقاصد الذكر والدعاء التربوية:
1- تقوية الرقابة الذاتية في قلب المؤمن، والتي تدفعه إلى الاحسان في عبادته ومعاملاته. وقد جمع الحديث الذي أوردته الخطبة بين الذكر وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةً، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةً” [2].
2- المساعدة على الطاعة والامتثال؛ فمن تعلق فكره وقلبه بربه ذاكرا وداعيا مبتهلا كان أقربَ إلى طاعةِ الله وأبعدَ عن معاصيه، وبعض الأدعية فيها تذكير للداعي بطاعةِ الله وترغيبِه فيها.
3- توجيه العناية إلى الذات؛ فقد جاءت الأدعيةُ النبويةُ تُوجهُ عنايةَ الداعين إلى ذواتهم وإلى مكامن الداء في أنفسهم، حتى لا يكون الدعاء الذي -هو تعلق بقدرة الله وإرادته- صارفا لهم عن الشعور بواجبهم والعمل على إصلاح ما أعوج من أخلاقهم.
4- التنفير من الآفات، فبعض الأدعيةِ النبويةِ تركزُ على التنفيرِ من بعض الآفات التي يتصف بها بعض الناس. مثل الاستعاذة بالله مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْهَرَمِ، وَالْبُخْلِ، وهذه الآفاتُ كلها تدفع من اتصف بها إلى الشلل في الإرادة والمبادرة والفعل، وتجعله عاجزا لا يقدر على فعل أي شيء.
5- الحث على العمل، فكثير من الناس يتصورون أن الدعاء يقوم مقام العمل ويغني عنه، وهذا اعتقاد فاسد لا أصله في الشرع، لأن التعبد الصحيح بالدعاء هو الذي يكون مسبوقا بالعمل ومصحوبا به وملحوقا به، فيكون الدعاء نفسه شكلا من أشكال العمل.
سادسا- الدعاء مظهر من مظاهر المواساة بين المسلمين، يدعو بعضهم لبعض، خصوصا في أوقات الأزمات، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الاستنصار والنصرة بالدعاء مثل: “اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين” أو في الدعاء على الظالمين: “اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف”. ومما قاله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الصدد: “إِنَّمَا يَنْصُرُ الله هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ”. [3]
لكن الخطب الموحدة منذ بدايتها بسنتين تقريبا لم يرد فيها ولو دعوة واحدة لأهل غزة ولفلسطين والقدس والمسجد الأقصى، رغم المآسي والمظالم التي تعرضوا لها وما يزالون من طرف الصهاينة المجرمين.
سابعا- رواد الجمعة يقصدون المساجد بنفسية التلقي للتنفيذ، فيجب أن تكون الخطبة مستوفية لهذا الغرض، بعيدة عن الإنشاء وكثرة الكلام الذي لا ينبني عليه عمل، وبخصوص موضوع الدعاء كان حريا بكاتب الخطبة أن يقف على هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، وآدابه وأسباب وموانع إجابته.
ومن أجمع ما قيل فيها ما ذكره ابن القيم: “وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعا في القلب، وانكسارا بين يدي الرب وذلاً له وتضرعا، ورقة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنَّى بالصلاة على محمد عبده، ثم قدم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألح عليه في المسألة، وتملقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدم بين يدي دعائه صدقة، فان هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدا، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مظنة الإجابة أو أنها متضمنة للإسم الأعظم”.[4]
هوامش:
[1] – زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/332.
[2] – صحيح مسلم، كتاب الزكاة بَابُ بَيَانِ أَنَّ اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ رقم الحديث في المنصة 1494.
[3] – سنن النسائي، كتاب الجهاد، باب الاستنصار بالضعيف.
[4] – الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، فصل أوقات الإجابة. 1/13.





