أخبار عامةالرئيسية-مقالات رأي

ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة

خطبة "مقام الذكر والشكر"

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

تحدثت خطبة جمعة هذا الأسبوع عن “مقام الذكر والشكر” وهي مناسِبةٌ من حيث الموضوع إجمالاً وإن تأخرت من حيث التوقيت. فالذكر عبادة الوقت في هذه الأيام المعدودات، وهو خير وسيلةٍ لتزكية النفس وتخليصها من أمراضها في سيرها إلى الله، وهو مقامٌ تتجسدُ فيه حالةُ المراقبة والإحسان، فيعبد العبد ربه كأنه يراه، بل هُوَ أَصْلُ كُلِّ مَقَامٍ وَقَاعِدَتُهُ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا، ومن لَمْ يَسْتَيْقِظْ مِنْ غَفْلَتِهِ لَمْ يُمْكِنْهُ قَطْعُ مَنَازِلِ السَّيْرِ المُوصِلَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ تَعَالَى.

ومن الملاحظات على الخطبة:

1- تنطلق مع غرة الأسبوع المقبل الامتحانات الإشهادية، تحتاج فيه الأسر المغربية إلى توجيهات قيمية ورسائل تربوية في التعامل مع الأبناء في هذه الفترة، والخطبة الناجحة هي التي تربط بين نصوص الوحي وتحديات الحياة اليومية؛ فبدلاً من الاقتصار على سرد المواعظ المجردة، يجب أن تتناول الخطبة هموم المصلين وقضاياهم وتجيب عن تساؤلاتهم، مما يزرع الأمل، ويعزز الوعي، ويقدم حلولاً شرعية وعملية لمشاكل المجتمع.

2- يستحسن الوقوف عند نصوص افتتاح الخطبة تفسيرا وشرحا، مثلا في قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لي وَلاَ تَكْفُرُونِؐ﴾ ذُكِرَ سياقُ الآية ولم يُشَر إلى معانيها ودلالاتها، وأعْظِم بها من آيةٍ في الحثِّ على الذِّكر! كما قال ابن القيم: “ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا.

3- دعت الخطبة إلى الذكر في الأيام المباركات بعد عيد الأضحى، ولم تشر إلى أنها هي أيام التشريق وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة وهو من الأشهر الحرم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِّ”.

وفي المراد بهذا الذكر قال ابن العربي: “أجمع فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على أن المراد به التكبير لكل أحد، وخصوصا في أوقات الصلوات، فيكبر عند انقضاء كل صلاة، كان المصلي في جماعة أو وحده يكبر تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام.

4- لم تبين الخطبة معنى ذكر الله، والذي يعني التلفظ بأسماء الله تعالى حمداً وثناءً ودعاءً، واستحضاره في الذهن خشية وخشوعا، وهو ضد الغفلة والنسيان، وذكر الله غير مؤقتة قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح. وأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان، وذكر القلب أفضل من ذكر اللسان. قال الإمام ابن القيم: “وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ القلبُ اللسانَ، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده”.

وتوسع الإمام النووي في مفهوم الذكر فقال: “واعلم أن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحو ذلك، بل كل عامل لله تبارك وتعالى بطاعة فهو ذاكر لله تبارك وتعالى.

5- ولتيسير باب الذكر على المتلقين، كان حرياً بالخطبة أن تتناول بعضا من نماذجه الجامعة، فقد سئل الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به العبد من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال وهو من أجمع الأجوبة في هذا الباب: “إذا واظب على الأذكار المأثورة صباحاً ومساءً، وفي الأوقات والأحوال المختلفة، ليلاً ونهاراً، كان من الذاكرين كثيراً والذاكرات.

6- الملاحظ أن موضوع الخطبة الثانية أقحم بطريقة غير مناسبة، كان من المفيد جدا الاقتصار في الخطبة الأولى والثانية على الذكر والشكر ليستوفيا حقهما من العرض والتحليل، وترك موضوع الأبناء والأسرة والتربية والتعليم -على أهميته وخطورته -إلى مناسبات أخرى، يفرد فيها الموضوع بخطب يتاح فيها بسط الكلام حول نعمة الإحصان للشباب، ومعيقات الزواج، وتأخر سن الزواج، وظاهرة الطلاق للشقاق، ودور الأسرة في التربية، ودور مؤسسات التنشئة الاجتماعية (المدرسة، المسجد، الجمعيات) في تربية النشء وغير ذلك من قضايا الأسرة والمجتمع.

7- لأول مرة -حسب علمي- تدعو وزارة الأوقاف من خلال خطبة الجمعة الآباء والأمهات أن يبادروا بتسجيل أبنائهم وبناتهم المولودين قبل 31 مارس 2023م في التعليم الأولي للموسم الدراسي الجديد: 2026-2027م.

وفي نظري هذا مؤشر خطير على أمر بدأت تظهر بعض إرهاصاته منذ مدة وهو التركيز على التعليم الأولي العصري والذي يتضمن حصصا هزيلة من القرآن الكريم، ثم من جهة أخرى إغفال ذكر الكتاتيب القرآنية وهي منتشرة في البوادي والمدن، ثم التضييق عليها من طرف وزارة الأوقاف والتي أقرت في عام 2025 إجراءات جديدة لتدبير وإدارة الكتاتيب، شملت:

❖ تسليم الرخص المؤقتة مدتها ثلاث سنوات فقط مع ضرورة التجديد الدوري لها عوض “الترخيص الوزاري” الدائم، وهو ما لا يوجد في رخص وزارة التربية الوطنية للتعليم الأولي، فهل بهذه الإجراءات يُشجَّع الاستثمار في التربية والتعليم؟ ونساهم في ربط النشء بدينه وهويته؟

❖ فرض متطلبات إدارية ووثائق كثيرة لاستمرار الكتاتيب القديمة أو افتتاح أخرى جديدة، وهو ما اعتبره البعض شروطاً “تعجيزية” قد تؤدي لإغلاق عدد كبير منها في القرى (قد تصل لـ90% حسب بعض التقديرات) بسبب عدم القدرة على استيفاء الشروط المادية والإدارية.

❖ شملت الإجراءات أيضاً قيوداً على الجمعيات المشرفة على المساجد، من خلال منعها من جمع المساهمات والتبرعات التي كانت تمول الكتاتيب القرآنية.

8- ومما جاء في الخطبة “وأنجع طريقة في ذلك ربطهم بكلام الله تعالى واتخاذ الوسائل الناجعة في ذلك، من غير إكراه أو استعمال عنف.” هكذا قالت: “الوسائل الناجعة” من غير توضيخ، وغفلت عن توجيه الآباء والأمهات إلى التعامل مع مؤسسات عريقة تقوم بهده الخدمة منذ قرون.

وفي أهمية تعليم النشء القرآن الكريم قال ابن خلدون في الفصل الواحد والثلاثين من مقدمته: “اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات، وسبب ذلك أن التعليم في الصغر أشد رسوخا وهو أصل لما بعده لأن السابق الأول للقلوب كالأساس للملكات”.

9- ثم إن حالة التعليم الأولي في المغرب الذي دعت إليه الخطبة لا تبشر بخير؛ ففي التقرير التقييمي المنجز من طرف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سنة 2025، بشراكة مع منظمة اليونيسف حول التعليم الأولي بالمغرب. ورد في تحليله الختامي:

“إن الخلاصات الاستراتيجية للمجلس تدق ناقوس الخطر بشأن “تجزؤ المسؤوليات” و”هشاشة الوضعية المادية للمربين”، وتدعو بوضوح إلى الانتقال من منطق “التدبير المتعدد” إلى منطق “المأسسة الوطنية” الموحدة التي تضمن تكافؤ الفرص لجميع أطفال المغرب”.

والحمد له رب العالمين


هوامش:

– الوابل الصيب من الكلم الطيب، ص:96.
– رواه أحمد (10286) السلسلة الصحيحة (3573). لطائف المعارف لابن رجب ص:500.
– الفوائد، ص: 247.
– الأذكار للنووي، ص:49. تحقيق: محيي الدين مستو.
– الأذكار للنووي، ص: 51. تحقيق: محيي الدين مستو.
– المقدمة، 2/247.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى