ورقة بحثية ترصد هيمنة الحكومة على التشريع وتدعو لإصلاحات تعيد التوازن للسلطات

خلصت ورقة بحثية حديثة للباحث عبد العزيز الهلالي من جامعة محمد الخامس بالرباط إلى أن السلطة التنفيذية في المغرب تبسط هيمنة واسعة على مسار الإنتاج التشريعي، مما حول البرلمان من مؤسسة فاعلة في صناعة القوانين إلى مجرد فضاء للمصادقة و”غرفة تسجيل” للنصوص التي تعدها الحكومة.
وأوضحت الدراسة المنشورة في مجلة “دفاتر برلمانية” أن هذا الاختلال في التوازن الدستوري؛ جعل البرلمان يتنازل إراديا عن جزء من اختصاصاته، مما أدى إلى تراجع دوره المركزي في الرقابة والتشريع لصالح الجهاز التنفيذي والقضاء الدستوري.
وعزت الدراسة هذا الواقع إلى محددات دستورية تمنح الحكومة أدوات قانونية قوية للتحكم في الأجندة التشريعية، مثل مراسيم الضرورة والتفويض التشريعي، فضلا عن توسيع مجال التنظيم على حساب مجال القانون المحصور.
كما تمتلك الحكومة آليات إجرائية فعالة لإجهاض المبادرات النيابية، منها الدفع بعدم قبول مقترحات القوانين التي لا تدخل ضمن اختصاص البرلمان، أو رفض التعديلات التي يترتب عنها أثر مالي دون موافقتها، مما أدى إلى تهميش صارخ للمقترحات البرلمانية التي لا تتعدى نسبتها 8.6% من مجموع النصوص المصادق عليها في الولاية الحالية.
وأبرزت المادة أن الشأن الحزبي يلعب دورا حاسما في تعزيز هذه التبعية، حيث جعل النظام الحزبي من البرلمان امتدادا طبيعيا للسلطة التنفيذية، مما أضعف مبدأ فصل السلط وأنتج ما وصفته الدراسة بـ “أفول البرلمان”.
وفي هذا السياق، تستغل الحكومة أغلبيتها البرلمانية لترسيم سيطرتها على مداخل ومخارج العمل النيابي، محولةً التنافس السياسي إلى أداة للجم المعارضة وإضعاف قدرتها على تقديم بدائل تشريعية واقعية تنسجم مع تطلعات المواطنين، مما يجعل التوازن الدستوري مائلا عمليا لصالح السلطة التنفيذية.
وتطرقت الدراسة أيضا إلى قدرة الحكومة على إفراغ القوانين من مضمونها عبر التماطل في إصدار المراسيم التطبيقية أو تجميد القوانين التي وافق عليها البرلمان دون أن تعترض عليها الحكومة في حينها، مستغلةً غياب آليات دستورية تجبر الجهاز التنفيذي على التنزيل الفعلي للنصوص القانونية.
كما سجلت الورقة تفوقا تقنيا للأمانة العامة للحكومة مقابل ضعف الخبرة والوسائل الموضوعة رهن إشارة البرلمانيين، مما يعزز من استئثار السلطة التنفيذية بصناعة القرار التشريعي وتوجيه المناقشات والتصويت داخل اللجان والجلسات العامة.
واختتمت الورقة البحثية بالدعوة إلى إجراء إصلاحات مؤسساتية وتشريعية جادة تهدف إلى تعزيز الدور التشريعي للبرلمان وحماية استقلاليته في مواجهة نفوذ الجهاز التنفيذي، بما في ذلك مراجعة الدستور لتوسيع مجال القانون وتقليص مجال التنظيم.
وشدد الباحث على ضرورة تقوية آليات الرقابة البرلمانية وإرساء منهجية تشاركية حقيقية تضمن للمعارضة ممارسة حقوقها الدستورية، بما يعيد الاعتبار للمؤسسة التشريعية كفضاء مركزي لبلورة السياسات العمومية وضمان التوازن الفعلي بين السلطات.




