دة. هيرات تكتب : أكثر من مجرد عبور.. عن الهروب، أزمة المواطنة، ورهان إعادة بناء الثقة

شهدت مدينة الفنيدق في اليومين الأخيرين، أحداثا لا يمكن وصفها سوى أنها بالغة الخطورة وفي نفس الوقت مؤلمة وتستحق التأمل، محاولات هجرة جماعية غير نظامية أو يمكن أن نسميها هروبا جماعيا نحو الجانب الإسباني، ترافقت مع تدخلات أمنية مكثفة لاحتواء الموقف.
واللافت أن هذه الموجة تزامنت مع الاحتفال بعيد العرش، حيث ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس مساء الأربعاء الماضي حفل استقبال رسمي بهذه المناسبة في مدينة المضيق على بعد نحو عشرين كيلومترا فقط من الفنيدق؛ وهو تزامن جعل كثيرين يقرأون المشهدين معا، خطاب رسمي يبرز مؤشرات اقتصادية إيجابية ونسبة نمو بلغت نحو 4.9 بالمئة، وواقع فئات اجتماعية يكشف عن شباب وقاصرين وأسر كاملة يلقون بأنفسهم في البحر هربا.
وهو ما يجعل الحدث مركباً لا يمكن اختزاله في تفسير واحد؛ فهو يحمل في آن واحد بُعد “الهروب” من واقع اجتماعي واقتصادي هش ومتأزم ، و”ظاهرة” تطرح أسئلة أعمق حول علاقة فئة من الشباب بالدولة والقانون والقيم الجماعية.
طبعا لا يمكن فهم إقدام شبان وقاصرين بل وأسر كاملة، على المخاطرة بحياتهم من أجل عبور دون عودة إلى جذور الأزمة التي يعيشها جزء واسع من الشباب المغربي، من أهمها البطالة والهشاشة الاقتصادية، خاصة في المناطق الحدودية التي فقدت جزءاً من مواردها التقليدية بعد إغلاق منافذ التهريب المعيشي، دون توفير بدائل اقتصادية سريعة وموجهة تستوعب اليد العاملة المحلية وتخلق مناصب شغل بديلة عبر مناطق أنشطة اقتصادية حقيقية.
يضاف إلى ذلك ضعف الأفق لا سيما في زمن تشعر فيه فئة من الشباب بانسداد فرص الترقي الاجتماعي محليا، مقابل صورة مثالية عن “الضفة الأخرى” تروجها شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات التهريب. وقد أكد شبان التقتهم وسائل إعلام محلية في الفنيدق أنهم قدِموا إلى المدينة “لتجربة حظهم” في الهجرة، بعدما شاهدوا دعوات وإعلانات ترويجية انتشرت على هذه الشبكات تصوّر العبور نحو سبتة كفرصة للنجاة، دون أن تكون لديهم بالضرورة معرفة دقيقة بما ينتظرهم في الضفة الأخرى.
وهذا كله مرده هشاشة أسرية وتعليمية مركبة ومعقدة، في ظل غياب بدائل جادة لملء فراغ هؤلاء الشباب، الفاقدين للثقة في جدوى الانتظار؛ فحين يرى الشاب أن مساراته المشروعة، من تكوين وشغل وريادة أعمال، بطيئة أو غير مضمونة النتائج، يصبح “الحل الجذري” وهو “الهجرة” ظاهريا أكثر إغراء، رغم ما تبطنه من مخاطر.
لكن الأخطر من كل هذه الأسباب، هو حين يهتز الشعور بالانتماء، فالمواطنة ليست مجرد وثيقة هوية أو جنسية، بل هي شعور بالانتماء لوطن يوفر الحماية والكرامة والفرصة، مقابل التزام الفرد بواجباته تجاه الجماعة والدولة والقانون. وما تكشفه أحداث كهذه هو أزمة مزدوجة، فمن جهة هناك إحساس بعض الشباب بأن “المواطنة” لم تعد تعني شيئا ملموسا في حياتهم اليومية، ما دامت لا تترجَم إلى شغل وكرامة واستقرار. ومن جهة أخرى، يعكس سلوك بعضهم في التعامل مع الأجهزة الرسمية ورجال السلطة والممتلكات العامة ضعفاً في الإحساس بالملكية الجماعية، وكأن “ما هو عام” لا يخص أحدا بعينه فلا حرج في إتلافه.
وما زاد من عمق هذه الأزمة هو التراجع اللافت لأدوار مؤسسات الوساطة، من أحزاب سياسية، ومنتخبين محليين، وجماعات ترابية، ومؤسسات المجتمع المدني؛ إذ تفاقمت الفجوة بين الشارع والمؤسسات الرسمية بعدما عجزت هذه الهيئات عن القيام بدورها في تأطير الشباب والاستماع إلى انشغالاتهم ونقل أصواتهم للتعبير عنها في أطر مؤسساتية سلمية، مما ترك الشباب صيداً سهلاً لخطابات اليأس والإحساس بالتهميش.
ولإعادة بناء هذا الرابط لا بد للدولة أن تفي بالتزاماتها التنموية تجاه المناطق المهمشة، وأن تستثمر التربية على المواطنة في المدرسة والمسجد والإعلام والأسرة لترسيخ معنى الانتماء والمسؤولية المشتركة. وهذا الفعل لا يمكن أن يكون معزولا عن منظومة القيم؛ فحين تضعف القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي تربط الفرد بجماعته، من احترام الملك العام إلى احترام مؤسسات الدولة ورفض العنف كوسيلة للتعبير، يصبح اللجوء إلى العنف والتخريب خيارا “مقبولا” لدى بعض الفئات، خاصة في لحظات الاحتقان الجماعي.
كما تطرح أحداث من هذا النوع إشكالات قانونية دولية متشابكة، من أهمها سيادة الدول وحقها في ضبط حدودها، حيث يقر القانون الدولي بحق كل دولة في حماية حدودها وتنظيم الهجرة إليها ومنها، وهو ما يبرر قانونيا التدخلات الأمنية لمنع العبور غير النظامي.
في المقابل، تلزم المواثيق الدولية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الطفل، الدول بمعاملة المهاجرين، خاصة القاصرين منهم، وفق معايير إنسانية تحفظ كرامتهم وسلامتهم الجسدية، حتى في سياق منع العبور غير القانوني.
وهذا ما يبرر التعاون الأمني الثنائي (المغربي/ الإسباني) في هذا الملف، والذي يقوم على اتفاقيات تنظم مسؤولية كل طرف، وهو ما يجعل من ملف الهجرة قضية تدار بمنطق دبلوماسي وأمني مشترك، وليس بقرار أحادي من طرف واحد. والأمر يصبح ذا ضرورة من أجل حماية القاصرين تحديدا، إذ تفرض مسؤولية خاصة على الدولة، ليس فقط لضبطهم أمنيا، بل لإعادة إدماجهم اجتماعيا وتربويا، تماشيا مع التزامات المغرب الدولية في مجال حماية الطفولة.
لا يمكن مقاربة هذا الملف بمنطق أمني صرف، ولا بمنطق تنموي صرف، بل بمقاربة شمولية متعددة المستويات، اقتصاديا واجتماعيا بتسريع برامج إدماج الشباب في سوق الشغل وخلق بدائل اقتصادية سريعة ومحلية خاصة في المناطق الحدودية، ودعم المقاولات الصغرى، وتحسين قابلية التشغيل، بما ينسجم مع البرامج الحكومية المعلنة لإدماج مئات الآلاف من الشباب في سوق العمل.
وسياسيا ومؤسساتيا، من خلال تفعيل حقيقي لأدوار الأحزاب والمجتمع المدني والمنتخبين لفتح قنوات تواصل ملموسة واستعادة دور الوساطة والمواكبة الاجتماعية للشباب.
وتربويا وقيميا عبر تقوية برامج التربية على المواطنة والقيم داخل المدرسة، ومواكبة الأسر خاصة في المناطق الأكثر هشاشة، لمنع انزلاق القاصرين نحو هذه المخاطر.
وأمنيا من خلال الاستمرار في ضبط الحدود بشكل يحترم القانون وحقوق الإنسان، مع التمييز بين المهاجر الباحث عن فرصة وبين من يمارس العنف والتخريب. ودبلوماسيا، بتعزيز التنسيق مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي حول برامج تنموية مشتركة للمناطق الحدودية، باعتبار أن استقرار هذه المناطق مصلحة مشتركة للطرفين لا لطرف واحد.
وعلى مستوى الخطاب العمومي، بفتح نقاش وطني هادئ حول أسباب هذه الظاهرة المتكررة، بعيداً عن التبسيط أو التسييس، بما يشرك الشباب أنفسهم في صياغة الحلول التي تخصهم، وأصوات أسرهم أيضا، في صياغة الحلول التي تخصهم، بدل الاكتفاء بخطاب عن الإنجازات الكبرى لا يلامس قلقهم اليومي مباشرة.
ما وقع في الفنيدق ليس مجرد حادث أمني عابر، بل مؤشر على تقاطع أزمات: اقتصادية واجتماعية تدفع الشباب نحو الهروب، وقيمية وتربوية تفسر انزلاق بعضهم نحو العنف والتخريب، وقانونية دولية تتعلق بحدود مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها والمهاجرين على حد سواء.
وبين خطاب رسمي يحتفي بنسبة النمو، وصوت شباب وأسر يعيشون قلقا يوميا لا يجدون من يترجمه إلى سياسات ملموسة، تبقى المسافة التي يجب ردمها. ومعالجة هذا الملف تتطلب صبراً واستمرارية في السياسات، لا حلولاً آنية تنتهي بانتهاء موجة الأحداث.
الدكتورة فاطمة الزهراء هيرات




