د أوس رمّال يكتب: حين تصبح الرقائق الإلكترونية سلاحًا جيوسياسيًا استراتيجيا؟
حين تختبئ القوة الكبرى داخل قطعة صُغرى لا تكاد تُرى!!!!!

إنّنا كلّما تحدثنا عن القوة في العالم؛ اتّجهت الأذهان عادة إلى الجيوش، والنفط، والغاز، والأسواق الكبرى. لكن واحدة من أشد معارك النفوذ في القرن الحادي والعشرين تدور حول شيء صغير قد لا يتجاوز حجمه ظفر الإصبع: “الرقائق الإلكترونية”. electronic chips – les puces électroniques
هذه القطع الدقيقة التي توجد اليوم في الهواتف والسيارات والطائرات والأجهزة الطبية وإلكترونيات البيت والمطبخ، وشبكات الاتصال، وتقوم عليها مراكز البيانات ومنظومات الذكاء الاصطناعي والأسلحة الحديثة. ولذلك فإنّ مصانع “أشباه الموصلات” “les semi-conducteurs” لم تعد مجرّد منتِج صناعي؛ وإنّما أصبحت جزءًا من “البنية التّحتية للقوة”.
واللّافت أن هذه الصناعةَ شديدةُ التعقيد والتركيز. فبحسب معطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإنّ نسبة كبيرة جدًا من القدرة العالمية على تصنيع الرقائق تتركّز في عدد محدود من الاقتصادات والشركات، كما أن بعض مراحل الإنتاج المتقدّم يصعب تعويضها بسرعة إذا تعطلت[1]. ولذلك اليوم ما إن يقع خللٌ في مصنع مّا –مهما كان بعيدا- حتّى يؤثّر ذلك في صناعات منتشرة عبر العالم كلّه.
من هنا نفهم لماذا تحوّلت الرقائق في السنوات الأخيرة إلى موضوع للصراع التجاري والسياسات الصناعية وقيود التصدير. لأنّ التنافس لم يعد فقط على بيع التقنية، بل على من يمتلك القدرة على تصميمها وتصنيعها وتخزينها والتحكم في إمكانية انتقالها إلى الآخرين. وقد أظهرت القيود المفروضة على تصدير بعض الرقائق المتقدّمة ومُعدّات تصنيعها؛ أن التكنولوجيا نفسُها يمكن أن تتحوّل إلى أداة من أدوات الجغرافيا السياسية[2].
لكن ينبغي ألا نختزل القضية في الصراع بين القوى الكبرى. فالسؤال الذي يعنينا نحن سؤال أعمق:
هل يمكن لأمة لا تملك مفاتيح التقنية التي تقوم عليها حياتها؛ أن تمتلك كامل قرارها؟
وليس المقصود أن تصنع كل دولة كل شيء؛ فهذا يكاد يكون مستحيلًا في اقتصاد عالمي شديد التشابك، كما أن التعاون وتبادل المعرفة من أسباب تقدم البشرية. وإنما تبدأ المشكلةُ حين تتحول الحاجة المتبادلة من إطار الندّية المفترضة إلى “تبعية أحادية”؛ يصبح معها أحد الطّرفين قادرًا على تعطيل احتياجات أساسية للطّرف آخر.
وهنا يكتسح مفهوم “القوة” معنى أوسعَ من السلاح والمال. ففي القرآن الكريم: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ [الأنفال: 60]. والآية وإن كانت وردت في سياق الإعداد لمواجهة العدو ولا يصحّ تحميلها مباشرة تفاصيلَ التكنولوجيا المعاصرة؛ إلاّ أنّها تقرّر أصلًا باقيًا: أن القوة المطلوبة تُقدَّر بما تتيحه الاستطاعة، وبما تتغير به وسائل القوة من عصر إلى عصر.
وقد عبّر ابن خلدون، في سياق زمانه عن العلاقة الوطيدة بين الصنائع والعمران، ورأى أن تقدّم الصنائع إنما يكون بازدهار الحضارة واتساع حاجاتها ومعارفها[3]. ولو نظرنا إلى عالمنا اليوم لوجدنا أن الصناعة المتقدّمة لم تعد نتيجةً للعمران فقط؛ بل أصبحت أيضًا من أهم شروط استقلال واستمرار هذا العمران.
وهنا تظهر المفارقة في كثير من مجتمعاتنا: نحن نستخدم أحدث الأجهزة، واليوم نستهلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ونتحدث عن التحول الرّقمي، لكن ذلك كله يخفي سؤالًا صعبا للغاية:
كم نسبة مشاركتنا في إنتاج المعرفة والتقنية التي يقوم عليها هذا العالم؟.
فالاستهلاك التكنولوجي ليس هو التقدّم التكنولوجي. والقدرة على شراء أحدث الأجهزة لا تعني امتلاك التقنية التي صنعتها. وبين الاثنين بون شاسع ومسافة لا تُختصر بالمال وحده، وإنما بالتعليم الجيد والبحث العلمي والصناعة والاستثمار طويل الأمد في الإنسان.
وبطبيعة الحال لست أقصد بالسيادة التقنية الانغلاق أو وهمَ الاكتفاء الذاتي؛ وإنما أقصد امتلاك “الحد الأدنى الضّروري من القدرة المعرفية والصناعية” الذي يسمح للدولة والمجتمع بأن يتعاونا مع العالم من موقع الشريك الفاعل؛ لا من موقع المستهلك المضطرّ الذي لا يملك بديلًا.
لقد كانت الطّرقات التجارية والموانئ ومصادر الطاقة؛ هي مفاتيحُ القوة في عصور سابقة. أما اليوم فقد أضيف إليها مفتاح جديد يكاد يتصدّرها: هو “امتلاك التقنية التي تُشغّل العالم؟”.
و ستكشف لنا هذه “الرقائق الإلكترونية” حقيقة أكبر من حجمها بكثير: حينما تصبح أخطرُ نقاط القوة في عالمنا المعاصر؛ تلك الصّغيرة بالغة الدّقّة التي “لا نكاد نراها”.
[1] OECD, *The Chip Landscape: Geographical Distribution of Wafer Fabrication Capacity*, OECD Science, Technology and Industry Policy Papers, 2025.
[2] حول تحوّل قيود تصدير الرقائق ومعدات تصنيعها إلى أداة في التنافس الجيوسياسي، انظر الأدبيات الحديثة المتعلقة بضوابط تصدير أشباه الموصلات والتنافس التكنولوجي الدولي.
[3] ابن خلدون، *المقدمة*، الفصول المتعلقة بالصنائع وصلتها بالعمران والحضارة.




