بايشى: المنظومة التعليمية بالمغرب تعيش حالة من التخبط نتيجة قرارات انفرادية وتجارب مستوردة

أكد الخبير التربوي والباحث المتخصص في قضايا التربية والتكوين، الأستاذ محمد سالم بايشى، أن المنظومة التعليمية المغربية تعيش حالة من التخبط نتيجة قرارات انفرادية وتجارب مستوردة لا تتماشى مع المرجعيات القانونية الوطنية.
وأوضح بايشى، في حوار ضمن برنامج “حديث الساعة” على موقع “هوية بريس” أن نتائج امتحانات البكالوريا لهذه السنة، والتي بلغت نسبة النجاح فيها 64.8%، سجلت تراجعا بنقطتين مقارنة بالموسم الماضي، مشيرا إلى أن المبالغة في استخدام التقنيات الرقمية لضبط الغش أثرت أحيانا على الجانب النفسي للمتعلمين وحرمة قاعات الامتحان، حيث ضيعت بعض اللجان وقتا ثمينا من المترشحين في عمليات التفتيش التقني.
وانتقد الخبير التربوي مشروع مدارس الريادة الذي تروج له الحكومة كقصة نجاح، معتبرا إياه تجربة ولدت من رحم توصيات البنك الدولي ولم تمر عبر اللجنة الدائمة لملائمة المناهج والبرامج التي ينص عليها القانون الإطار 51-17.
وشدد بايشى على أن هذا النموذج، المستوحى من تجربة “طارل” الهندية، لا يشكل نموذجا بيداغوجيا متكاملا، بل هو مزيج من مقاربات تدعم المتعثرين لكنها لا تتماشى مع مهارات التفكير النقدي للمتعلم المتوسط وفوق المتوسط، محذرا من أن تعميم هذه التجربة قد يؤدي إلى خلق “مدرسة بسرعتين” ويعمق الفوارق التعليمية بين أبناء المغاربة.
وفيما يتعلق بلغة التدريس، سجل بايشى وجود فجوة لغوية كبيرة داخل الفصول الدراسية، حيث يجد نحو 70% من تلاميذ السلك الثانوي صعوبة في فهم المواد العلمية الملقنة بالفرنسية، وهو ما اعتبره بايشى قصورا في تجربة التناوب اللغوي.
وأرجع المتحدث هذا الإشكال إلى هيمنة المصالح السياسية والاقتصادية الدولية على الشأن التربوي، مما أدى إلى فرض اللغة الفرنسية في الابتدائي دون سند قانوني واضح في الرؤية الاستراتيجية، في مقابل تهميش اللغة الإنجليزية واللغة الأم، وهو ما يتعارض مع البحث العلمي الذي يربط جودة التعليم بالتدريس باللغة التي يفهمها المتعلم.
وحذر بايشى من تراجع مخيف لحضور القيم والهوية الوطنية والقومية في المقررات الدراسية، مستدلا بغياب القضية الفلسطينية عن وعي الجيل الحالي من المتعلمين مقارنة بالأجيال السابقة، حيث أظهرت المعاينات أن تلاميذ كثرا لا يعرفون مكانة القدس أو معنى فلسطين.
وأشار إلى أن المدرسة باتت عاجزة عن حماية المتعلمين من مخاطر الهواتف الذكية التي تقدم قيما غريبة دون حسيب أو رقيب، داعيا إلى ضرورة العودة إلى الأستاذ الرسالي الذي يهتم بالتزكية والتنشئة، وإعادة الاعتبار للتعليم الأصيل الذي يجمع بين العلوم الشرعية والحديثة كحل لمواجهة اختلالات القيم داخل الفضاءات التربوية والمجتمعية.
واختتم الخبير التربوي تقييمه لحصيلة الحكومة في قطاع التعليم بالإشارة إلى أنها تكاد تختصر الإصلاح في عناوين تقنية وتسويقية مثل مدارس الريادة، مع إهمال قضايا جوهرية تتعلق بتكوين الأساتذة وتحسين وضعيتهم بعيدا عن منطق الدونية في لغة الأرقام والتحفيزات.
وبينما أقر بتحقيق بعض المكاسب في تعميم التعليم الأول، إلا أنه انتقد طريقة تفويضه لجمعيات تفتقر للخبرة والحكامة أحيانا، مؤكدا أن إصلاح التعليم الحقيقي يتطلب رؤية نسقية تشمل المناهج والتوجيه والإشراف التربوي، وليس مجرد إجراءات شكلية تهدف إلى تحسين المؤشرات في التقويمات الدولية مثل “بيرز” و”تيمز” بطرق غير طبيعية.




