محمد أبو عجور: تداول السلطة والمسؤولية.. حين يغادر القائد الكرسي ولا يغادر المشروع

قد تختزل صورة واحدة تجربةً كاملة، وتلخص فلسفةً في الإدارة، وتبعث برسالة إلى أجيال متعاقبة. والصورة التي تجمع الرؤساء الأربعة لحركة التوحيد والإصلاح في المغرب ليست مجرد صورة تذكارية، بل هي درس عملي في تداول المسؤولية، واحترام الشورى، واستمرار المشروع فوق الأشخاص.
فاللافت في هذه الصورة ليس وجود أربعة رؤساء تعاقبوا على قيادة الحركة، وإنما اجتماعهم جميعًا في مشهد واحد؛ الرئيس الحالي إلى جوار من سبقوه، دون صراع على الشرعية، أو تنازع على النفوذ، أو شعور بأن مغادرة المنصب تعني نهاية العطاء. إنها رسالة تقول إن القيادة تتغير لكن المشروع يبقى، وإن المسؤولية تنتقل، بينما الخبرة تتراكم، وإن الكرسي يغادره صاحبه، لكن صاحبه لا يغادر مشروعه.
وهذه الرسالة تحتاجها معظم الحركات الإسلامية اليوم.
لقد أصبحت قضية تداول السلطة والمسؤولية من أكثر القضايا إلحاحًا داخل العمل الإسلامي المعاصر. فكثير من الحركات نجحت في تربية الأفراد على البذل والتضحية والثبات، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في ترسيخ ثقافة تداول القيادة وتجديد النخب وصناعة الخلف.
وفي كثير من التجارب أصبحت المواقع القيادية شبه ثابتة، حتى إن بعض المسؤولين أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا في المواقع نفسها، يتنقل بين المناصب العليا دون أن يغادر دائرة القرار وممكن في الوقع نفسة؟، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده. ومع مرور الزمن تتشكل حالة نفسية خطيرة، يختلط فيها المنصب بالشخص، حتى يظن البعض أن بقاءه ضرورة لبقاء المشروع، بينما الحقيقة أن المشروع الذي يتوقف على شخص واحد هو مشروع يعاني خللًا في التربية والإدارة معًا.
والمشكلة ليست في بقاء أصحاب الخبرة داخل الحركة؛ بل على العكس، فالحركات الإسلامية أحوج ما تكون إلى علمهم وتجربتهم وحكمتهم. لكن الإشكال يبدأ عندما يُختزل العطاء في المنصب، ويُظن أن مغادرة الموقع تعني انتهاء الدور. وهنا ينبغي التفريق بين الدور الدعوي والتربوي والفكري، وبين الموقع الإداري والتنفيذي. فالمنصب مرحلة، أما الرسالة فباقية.والإدارة وظيفة، أما التربية فهي رسالة العمر.
والقيادة التنفيذية ينبغي أن تتجدد، أما القيادة العلمية والتربوية فتزداد قيمة كلما تراكمت الخبرة.ولهذا فإن القائد الحقيقي هو الذي يصنع من يخلفه، لا الذي يعجز المشروع عن الاستمرار بعده.
إن أعظم إنجاز لأي قائد ليس عدد السنوات التي قضاها على الكرسي، وإنما عدد القادة الذين أخرجهم بعده.
ولذلك فإن المؤسسات الناجحة في العالم كله تُقاس بقدرتها على إنتاج قيادات جديدة، لا بقدرة شخص واحد على البقاء في موقعه. أما المؤسسة التي يرتبط وجودها بشخص، فإنها تدخل في أزمة كلما اقترب موعد رحيله.
وللأسف، فإن بعض التنظيمات الإسلامية دفعت أثمانًا باهظة بسبب غياب هذه الثقافة؛ فقد تحولت الخلافات حول المواقع إلى انقسامات، وانشقت جماعات، وتعطلت مشاريع، وضاعت طاقات، لأن بعض القيادات لم تستطع أن تتقبل فكرة أن القيادة يمكن أن تنتقل إلى غيرها.
وربما كان المؤلم أن بعض تلك الانقسامات لم تكن بسبب اختلاف في المنهج أو الفكر، وإنما بسبب الصراع على إدارة التنظيم. وهذا يخالف جوهر التربية الإسلامية التي تجعل المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا، وأمانة لا امتيازًا. قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فجعل الشورى منهجًا دائمًا في إدارة الجماعة، لا مجرد إجراء شكلي.
وقال النبي ﷺ: «إنا والله لا نولي هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه»، متفق عليه، وهو توجيه عظيم يربي النفوس على أن الولاية ليست غاية يتنافس عليها الناس، وإنما أمانة يتحملها من يكلف بها.
وكان الخلفاء الراشدون أكثر الناس زهدًا في السلطة، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه يوم تولى الخلافة: “وليت عليكم ولست بخيركم.”
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “وددت أني أنجو منها كفافًا، لا لي ولا علي”. هذه الروح هي التي صنعت أعظم تجربة سياسية في تاريخ المسلمين.
أما إذا تحول الكرسي إلى جزء من هوية الإنسان، فإن النزول عنه يصبح أشبه باقتلاع جزء من ذاته.
ولعل أخطر ما يصيب المؤسسات أن يتحول بعض المسؤولين إلى أسرى لمواقعهم، فيتصور أحدهم أن الله أقامه على هذا الكرسي فلا يجوز أن يغادره، بينما الحقيقة أن الله الذي كلّفه بالمسؤولية أمره كذلك بأداء الأمانة، ومن أداء الأمانة أن يسلّمها لمن يأتي بعده في الوقت المناسب.
فالكرسي لا ينبغي أن يلتصق بصاحبه، وإنما ينبغي أن يبقى وسيلة لخدمة الدعوة، لا غاية في ذاته.
ومن هنا تبرز أهمية التجارب التي نجحت في ترسيخ ثقافة التداول، ومن بينها تجربة حركة التوحيد والإصلاح في المغرب، التي قدمت نموذجًا يستحق التأمل؛ إذ حافظت على انتقال القيادة في إطار مؤسسي، مع بقاء القيادات السابقة جزءًا من المشروع، يقدمون المشورة، ويربون الأجيال، وينقلون الخبرات، دون أن ينازعوا القيادة الجديدة صلاحياتها.وهذا هو النموذج الذي تحتاج إليه الحركات الإسلامية.
فالجيل الجديد يحتاج إلى أن يرى بعينيه أن القائد السابق يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا بعد مغادرته المنصب، وأن قيمة الإنسان ليست فيما يجلس عليه، بل فيما يتركه من أثر.
كما يحتاج الشباب إلى أن يتعلموا القيادة وهم يرون كبارهم يوجهونهم، ويصححون لهم، ويمنحونهم الثقة، بدل أن يبقى انتقال القيادة مؤجلًا حتى يرحل الجيل القديم كله.
إن هذا هو التوريث الحقيقي للمشروع. ليس توريث الكرسي، بل توريث الرسالة. وليس توريث المنصب، بل توريث الخبرة.وليس صناعة أتباع، بل صناعة قادة.
ولهذا فإن مستقبل الحركات الإسلامية يتطلب مراجعة جادة في هذا الملف، تقوم على مبادئ واضحة؛ منها تحديد مدد المسؤوليات واحترامها، وإعداد الصفين الثاني والثالث إعدادًا حقيقيًا، وإنشاء مجالس خبرة من القيادات السابقة تكون مرجعًا للتوجيه لا مركزًا لاتخاذ القرار، والفصل – ما أمكن – بين القيادة التربوية والقيادة التنفيذية، حتى تتوزع الأدوار ولا تتكدس في أشخاص معدودين.
إن المشروع الإسلامي أكبر من أي قائد، وأبقى من أي جيل، وأوسع من أي تنظيم. والقائد الصادق لا يقاس بطول بقائه في موقعه، وإنما يقاس بقدرته على أن يغادر الكرسي فيطمئن أن المشروع يسير من بعده أقوى مما كان.
إن الصورة التي جمعت الرؤساء الأربعة لحركة التوحيد والإصلاح ليست مجرد صورة لأربعة رجال، بل هي رسالة لكل الحركات الإسلامية: أن تداول السلطة والمسؤولية ليس تهديدًا للمشروع، بل أحد أهم أسباب بقائه واستمراره. فحين يغادر القائد الكرسي، ولا يغادر المشروع، يكون قد انتصر على نفسه قبل أن ينتصر في إدارته، ويكون قد قدّم للأمة نموذجًا في الإخلاص، وحفظ الأمانة، وصناعة المستقبل.





