الرئيسية-دروس ومواعظرسالة الإصلاح

حين تتحول الكرة إلى معول هدم للأخوّة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

من الظواهر التي تستوقف المتابع في بعض المنافسات الرياضية الكبرى، ومنها البطولات العالمية الجارية هذه الأيام، أن بعض الجماهير لا تكتفي بتشجيع فريقها الذي تنتمي إليه، وهو أمر طبيعي ومشروع، بل تنتقل إلى مرحلة غاية في الخطورة، تتمثل في تشجيع خصوم الفرق العربية والإسلامية، التي تتمنّي هزيمتها، بل وربما تحتفي بخسارتها أكثر مما تحتفي بانتصار فريقها المفضل.

وقد رأينا في مناسبات رياضية عديدة جماهير من دول عربية أو إسلامية تشجع فرقاً أجنبية بعيدة عنها لغةً وديناً وتاريخاً، ضد منتخبات عربية أو إسلامية شقيقة، لا لشيء إلا بسبب خلافات رياضية سابقة، أو حساسيات تاريخية، أو ردود أفعال متبادلة من قبيل: “هم فعلوا ذلك معنا من قبل”.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل هذه هي الأخلاق التي يريدها الإسلام لأبنائه؟ وهل هذا هو المنهج الذي يربينا عليه القرآن الكريم؟

إن القرآن الكريم لم يجعل قاعدة التعامل بين المؤمنين قائمة على ردّ الإساءة بالإساءة، ولا على مقابلة الخطأ بمثله، وإنما دعا إلى الارتقاء بالأخلاق والمواقف، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].

بل إن الله تعالى جعل رابطة الإيمان فوق كل الروابط العابرة، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].

فالأصل في علاقة المسلم بأخيه المسلم أن يفرح لفرحه، ويحزن لحزنه، ويتمنّى له الخير، حتى وإن اختلف معه في بعض التفاصيل أو تنافس معه في بعض المجالات.

وقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالجسد الواحد فقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

إننا لا ندعو الناس إلى التعصّب الرياضي، ولا إلى تحويل المباريات إلى معارك حضارية، ولا إلى اعتبار الفوز الكروي معياراً للتفاضل بين الأمم والشعوب؛ فكل ذلك من المبالغات المرفوضة. وفي المقابل ندعو إلى الحد الأدنى من الوفاء لرابطة الأخوة، وإلى ألا يتحول التنافس الرياضي إلى مناسبة لإحياء الأحقاد أو صناعة القطيعة.

والمؤسف أن بعض الأصوات في الفضاء الرقمي باتت تستثمر هذه المناسبات لإشعال الخصومات بين الشعوب العربية والإسلامية، فتتبادل السخرية والشماتة والإهانات، وتُضخّم الأخطاء الفردية حتى تبدو وكأنها مواقف جماعية لشعوب بأكملها.

والحال أن الأمة التي تواجه تحديات جساماً في وحدة صفّها وتنميتها وأمنها واستقلال قرارها، ليست في حاجة إلى مزيد من أسباب التفرقة والتباغض.

إن المستفيد الحقيقي من تمزيق ما تبقى من جسور المودّة بين شعوب الأمة ليس هو المنتخب الفائز في مباراة عابرة، وإنما القِوى التي يُسعدها أن ترى المسلمين متنافرين متخاصمين، عاجزين عن بناء حد أدنى من التعاطف المتبادل والتعاون المشترك.

لقد علّمنا الإسلام أن فساد ذات البين من أخطر الآفات، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة».

وإذا كانت الشريعة قد جعلت إصلاح ذات البين من أفضل القربات، فإن كل سلوك يزيد الشحناء والبغضاء بين المؤمنين جدير بالمراجعة والتصحيح.

إننا بحاجة إلى أن نستعيد هذا المعنى القرآني العظيم: أن أخوّة الإيمان ليست شعاراً يُرفع في أوقات الأزمات فقط، وإنما خلقٌ دائم يظهر في المواقف الصغيرة قبل الكبيرة، وفي لحظات الفرح كما يظهر في لحظات المحن.

فلتبق كرة القدم كرة قدم، ولتبق المنافسة في حدودها الطبيعية، ولنتذكر دائماً أن ما يجمع شعوب أمتنا أكبر بكثير مما تُفرّقه نتائج المباريات، وأن رابطة العقيدة والتاريخ والمصير المشترك أسمى من أن تهزّها تسعون دقيقة فوق المستطيل الأخضر.

نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يصلح ذات بينهم، وأن يجعلهم كما أراد لهم: خير أمّة أخرجت للنّاس، وإخواناً متحابين متعاونين على البر والتقوى.

والحمد لله رب العالمين.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى