ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة
خطبة "الهِجرة النبوِية دروس وعبر"

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
اختار كاتب خطبة جمعة يوم 26 ذي الحجة 1447هـ الموافق لـ 12 يونيو 2026م موضوع:
“اَلْهِجْرَة النَّبَوِيَّة دُرُوسٌ وَعِبَرٌ”، وهو موضوع مناسب للوقت فنحن على مشارف نهاية السنة الهجرية 1447ودخول سنة هجرية جديدة 1448ه.
ملاحظات على الخطبة:
1- يستحق موضوع الهجرة النبوية أكثر من خطبة بالنظر إلى أهميته وكثرة دروسه المتجددة، وقد سبق في إطار خطة تسديد التبليغ أن خصصت ست خطب لموضوع الإنفاق، وهناك قضايا كثيرة يمكن تناولها في سلسلة خطب بمناسبة الهجرة النبوية مثل:
- الإعداد والتخطيط النبوي للهجرة
- دور أبي بكر الصديق وأسرته في الهجرة
- دور المرأة في الهجرة
- وقائع وأحداث الهجرة والقيم المستفادة منها
- نماذج من المهاجرين: أم سلمة، صهيب الرومي، عمر بن الخطاب..
2- اعتمدت الخطبة على خمس آيات وحديثين، ومرة أخرى أقول إن آية الاستهلال في الخطبة:
﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [ التوبة: 40] تحتاج إلى وقفات تدبرية، فهي حبلى بالمعاني والدلالات التي ترغب الخطبة في إيصالها إلى المتلقين. فأعظم كلام يؤثر في قلوب الناس هو كلام الله، قال ابن القيم رحمه الله: “فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن.”[1]
3- انسجاما مع ما جاء في ديباجة الخطبة من أن الحديث عن الهجرة النبوية جاء في إطار تنزيل مضامين الرسالة الملكية السامية، بمناسبة مرور خمسة عشـر قرنا على ميلاد الرسول الأكرم ﷺ، كان من الأليق بيان إعداده وتخطيطه ﷺ للهجرة، فهو ﷺ المعني – إشادة وتكريما – بالرسالة الملكية، فغاب الحديث عن دوره ﷺ في نجاح وحسن تدبيره الهجرة . وتم إقحام عبارة “وبيان النهج الصحيح في التدين السليم الذي تقتضيه خطة تسديد التبليغ” التي أرى أن لا علاقة لها بموضوع الهجرة.
4- في الهجرة النبوية تجلت صناعة الإنسان الذي تحمل عبء الهجرة وتبعاتها سواء كان من المهاجرين أو من الأنصار، الذين تربوا على يد رسول الله ﷺ في محاضن الذكر والعلم.
إلا أن تأثير خطبة الجمعة في إحداث تغيير سلوكي ملموس عند المتلقين يبقى محدوداً، لأنها بكل بساطة موعظة أسبوعية تدعو إلى القيم والأخلاق، من باب “قل كلمتك واذهب” والدعوة إلى القيم والأخلاق شيء والتربية عليها شيء آخر. بالإضافة إلى تحول الخطبة بشكلها الموحد إلى عمل روتيني بارد، وغياب المعالجة الحقيقية للقضايا اليومية المعاصرة للناس، وضعف الإعداد والمهارات الخطابية، إلى جانب منافسة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
5- حضور البعد الفردي في الخطبة وغيابُ بُعْدِ الأمة في الخطبة، وأمتنا اليوم في حالة من الضعف والهوان والتفرقة، والله تعالى يقول :{وَأَنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمُۥٓ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِۖ } (سورة المؤمنون الآية: 53).
في حين جسدت الهجرة النبوية رحلة بناء الأمة وصناعة تاريخها، أمة اصطفاها الله تعالى لتُغَير مجرى التاريخ، يقودها أعظم قائد في التاريخ، والذي أرشدنا إلى أن من أهم مقاصد الهجرة بناء الوطن القوي ودولة المؤسسات، وأن بناء الأمة القوية ينطلق من بناء مؤسسات فاعلة تنهض بتطلعات الوطن دينا ودنيا، وتستشرف مستقبله، وتلبي طموحات أبنائه في العيش الكريم.
6- التحفظ والاحتراز من استعمال المصطلحات الشرعية:
جاء في الخطبة ” لم تكن الهجرة النبوية مجرد تجنب للضغط الذي كان يمارسه المعارضون” هكذا استعمل مصطلح ” المعارضون” عوض المصطلح القرآني: الكفار أو المشركون أو الأعداء، وهم الذين آذوه وصحابته قتلا وتعذيبا وشكلوا عصابة لاغتياله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، بينما سمتهم الخطبة “معارضون يمارسون الضغط على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة”، وكأننا في برلمان فيه أغلبية ومعارضة. فسبحان الله.
وحتى مصطلح الهجرة لم يسلم من بعض التشويش، ربما لسوء استعماله من طرف تنظيمات تتبني العنف، والهجرة لها معنى خاص، ولها معنى عام وكلاهما لا زالت صوره وأشكاله مستمرة.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “الهجرة: هجرتان، هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة، وليس المراد الكلام فيها، وهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه هي المقصودة هنا، وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها. ولله على كل قلب هجرتان؛ وهما فرض لازم له على الأنفاس:
1- هجرة إلى الله سبحانه بالتوحيد والإخلاص، والإنابة والحب، والخوف والرجاء والعبودية
2- وهجرة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتحكيم له والتسليم والتفويض، والانقياد لحكمه، وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته… فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه الرماد. وليراجع الإيمان من أصله… والله المستعان”.[2]
وفي قاموس الهجرة يذكر غالبا حديث ابن عباس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الفتح، فتح مكة: «لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم فانفروا»[3]
يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قوله: لا هجرة بعد الفتح أي: فتح مكة. قال الخطابي، وغيره: “كَانَتْ الْهِجْرَة فَرْضًا فِي أَوَّل الْإِسْلَام عَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ وَحَاجَتهمْ إِلَى الِاجْتِمَاع، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه مَكَّة دَخَلَ النَّاس فِي دِين اللَّه أَفْوَاجًا فَسَقَطَ فَرْض الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة وَبَقِيَ فَرْض الْجِهَاد وَالنِّيَّة عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ أَوْ نَزَلَ بِهِ عَدُوّ.”[4]
وقال الطيبي: والمعنى: “أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدِّين من الفتن، والنية في جميع ذلك.”[5]
وفي قوله: “وإذا استنفرتم فانفروا” قال النووي: “يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة، وإذا أمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه.”[6]
7- ماذا يستفيد المتلقي من حدث الهجرة النبوية؟ في الجواب على هذا السؤال تظهر مهارة الخطيب في ربط الحدث بحياة الناس، والخروج من العموميات في الكلام إلى ذكر نماذج من الواقع تبين لهم ما ينبغي هجره مما نهى الله عنه من الشهوات المحرمة والأخلاق الذميمة. وإن كنا ندعو إلى هجرة الرذائل في الأخلاق والسلوك، فإننا أيضا في حاجة إلى هجرة الرذائل فيما يخص شؤون حياتنا العامة، وأن نأخذ من معاني الهجرة النبوية ما ينفعنا في مسيرتنا؛ فنهجر العشوائية في تسيير أمورنا، ونهجر الجدال الذي لا يراد به حق، ونهجر تضييع الوقت بغير شيء نافع، ونهجر عدم إتقان العمل، وغير ذلك مما يعرفه كل إنسان عن نفسه.
وحدث الهجرة يعني أيضاً انقضاء سنة من عمر الإنسان، لذلك هو مناسبة للتذكير والاعتبار بمرور الأيام والأعمار وسرعة ذهابها، والسعيد من حاسب نفسه في الدنيا فيما قدمه لآخرته.
وفي هذا السياق جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والتوبة في حديث : “إن الهِجرة خصلتان: إحداهما أن تَهجُر السيئات، والأخرى أن تُهاجِر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقبِّلت التوبة، ولا تزال التوبةُ مقبولة حتى تطلعَ الشمس من المغرب، فإذا طلعت طُبِع على كل قلبٍ بما فيه، وكفي الناس العمل.”[7]
على أن أعظم الدروس التي نتعلمها من الهجرة، التضحية لنصرة دين الله تعالى وإعلاء كمته، فالدين أعظم من المال، وأعظم من الأولاد، وأعظم من الزوجة، وأعظم وأكبر من الوطن.
خاتمة:
إن حدث الهجرة يعجّ بالدلالات والعبر التي لا يمكن أن ننقطع عنها؛ إذ يمثل في مُجْمَلِهِ كفاح أصحاب الرسالات وحملة المبادئ وما يعانون في سبيل ذلك من ضرورة القيام بتضحيات عديدة من أجل نصرة رسالتهم وتبليغها للناس، وما يكون من توفيق الله لعباده المخلصين والمضحّين من أجل وحيه ونشر رسالته ورعايته لهم في أحلك الظروف وأشد الأوقات بعد استفراغهم لوسعهم وجهدهم، وهو درس عظيم متجدد لا تنقضي حاجة الدعاة والمصلحين من الرجوع إليه وإدامة النظر فيه وتأمل تفاصيله ووقائعه.
***
[1] – مفتاح دار السعادة، (1/187)
[2] – مدارج السالكين،2/433.
[3] – صحيح البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحرم. صحيح مسلم، كتاب الهجرة والمغازي، باب لا هجرة بعد الفتح ، ولكن جهاد ونية.
[4] – فتح الباري، لابن حجر 8/ 432)
[5] – نيل الأوطار،8/33.
[6] – فتح الباري، (1/ 53،54)
[7] – رواه أحمد (1671) عن معاوية رضي الله عنه، وحسَّنه محققو المسند.




