ذ خالد التواج يكتب: ما لم تقله خطبة الجمعة
عن اَلتَّرْغِيبُ فِي وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
تناولت خطبة 10 محرم 1448هـ الموافق لـ 26/6/2026م موضوع “اَلتَّرْغِيبُ فِي وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ سِوَى الزَّكَاةِ” بالرغم من أنها لم تستوف أحكام فريضة الزكاة حقها كما أشرنا في المقال السابق، يقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى: “ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ.”[1]. وباب الإنفاق في الدين باب واسع له أوجه ومجالات كثيرة ومقاصد عظيمة، ولذلك هو نفسه يحتاج إلى تفصيل وبيان، لكن خصصت له الخطبة الأولى فقط .
ملاحظات على الخطبة:
1- قسمت الخطبة الإنفاق والإحسان إلى حقوق واجبة كحقِّ الوالدينِ والزوجةِ والأولادِ، وكلِّ مَنِ التزمَ المسلمُ بالنفقةِ عليهم، وإلى حقوقِ مندوبةِ وتطوعيةِ؛ كحقِّ الفقراءِ والمساكينِ واليتامى والمحتاجينَ، وغيرِهم ممَّن يُندَبُ العطاءُ لهم.
وكان من الأليق التوسع في الحديث عن النفقة على الوالدين وبيان فضلها، قال الله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ} سورة البقرة ، آية:215
وبخصوص وجوب الإنفاق على الوالدين فإنه ليس على إطلاقه، فقد أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين الذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، ويشترط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط:
الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم، فإن كانوا موسرين بمال، أو كسب يستغنون به فلا نفقة لهم.
الثاني: أن تكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه، إما من ماله، وإما من كسبه، فأما من لا يفضل عنه شيء فليس عليه شيء.
الثالث: أن يكون المنفق من الوارثة.
2- وحق الزوجة والأولاد في النفقة يحتاج أيضا إلى تفصيل وبيان، لما يعتريه من تقصير من الأزواج تارة أو كثرة الطلبات المادية من الزوجات تارة أخرى، ونظرة على تقارير النيابة العامة حول قضايا إهمال الأسرة أو الامتناع عن النفقة تبين استفحال هذه الظاهرة في المجتمع المغربي وهو أمر يقض مضاجع الأسر المغربية، فكان على الخطبة أن تتوقف عنده وتبين حكم وفضل الإنفاق على الأهل والأبناء وإثم تضييع هذا الحق.
عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في سبيلِ اللَّه، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ في رقَبَةٍ، ودِينَارٌ تصدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذي أَنْفَقْتَهُ علَى أَهْلِكَ.”[2].
3- أما حقِّ الفقراءِ والمساكينِ واليتامى والمحتاجينَ، فإننا نعيد ما سطرناه في الحلقة الماضية من أن الدولة الآن تملك المعطيات الدقيقة عن خريطة الفقر والهشاشة في المغرب، وهي قادرة على تنظيم عمليات الإنفاق لتصل إلى مستحقيها عبر مؤسسة مستقلة تتمتع بقدر كبير من الحكامة في التسيير والشفافية في التدبير ، تساعدها في ذلك جمعيات القرب للمجتمع المدني. وأما ترك الإنفاق لإرادة الناس من غير تنظيم أو تتبع فإنه لن يساهم كثيرا في محاربة الفقر والحد من الفوارق الاجتماعية.
ولا بد أن نشير هنا إلى تبني الدولة لبعض المبادرات الإغاثية الطارئة والتي تدعو عموم المواطنين للبذل والانفاق، كما في حال وباء كورونا أو زلزال الحوز أو فيضانات الغرب، ولو تم تشجيع وإسناد مثل هذه المبادرات من طرف المؤسسة الدينية الرسمية بخطاب تربوي ودعوي لانخرط الناس فيها بشكل كبير، كما أن هذه المبادرات افتقرت إلى الشفافية فلم يعرف كم جمع لها من المال ؟ ولا كيف صرف ؟ ولا على من صرف؟ ومن حق المواطن أن يعرف مصير ما دفعه من مال ليطمئن قلبه، ويثق في مؤسسات الدولة، ودفعا لكل ريبة أو شك.
3- إن الإنفاق له أولويات في المجتمع:
أولاها ما كان لنصرة الدين وإعلاء كلمته ونشره والدعوة إليه، فكل عمل أو مشروع دعوي أو خيري أو إعلامي يحقق هذا المقصد يكون الإنفاق فيه مطلوبا .
ثانيها: ما تعدى نفعه وأثره إلى الغير، فالأعمالُ تَتَفاوتُ فيما بَينَها بحَسَبِ النَّفعِ المُتَرَتِّبِ عليها؛ فبَعضُ الأعمالِ نَفعُها يَكونُ قاصِرًا على الشَّخصِ القائِمِ بالعَمَلِ، كَصَلاةِ النَّافِلةِ، وبَعضُ الأعمالِ نَفعُها يَكونُ مُتَعَدِّيًا للآخَرينَ، كَصَدَقةِ النَّافِلةِ، فما كان نَفعُه مُتَعَدِّيًا للآخَرينَ أفضَلُ مِمَّا نَفعُه قاصِرٌ على الشَّخصِ نَفسِه.
روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين، قال: وفساد ذات البين هي الحالقة. “[3]. فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن إصلاح ذات البين عمل تطوعي متعدي النفع، على التنفل بالصيام والقيام، وهما عملان قاصران على إصلاح النفس.
وهناك صنف من الناس مثلا ينفق ماله لأداء العمرة كل عام، وفي المجتمع من يحتاج إلى إجراء عملية للقلب ولا يجد لها المال الكافي، ومنهم من يجري عملية تصفية الكلي مرتين أو ثلاث كل أسبوع وهي جد مكلفة ماديا، فكان الأولى تنبيه الناس إلى الإنفاق في مثل هذه الحالات الاجتماعية الحرجة.
وقد ورد في ذلك قصة لها عبرة لابن المبارك العالم التاجر تلميذ الإمام مالك: خرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته، ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقي على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال، فظلم وأخذ ماله، وقتل، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.”[4]
5- أشارت الخطبة إلى أنواع كثيرةً مِن الإنفاقِ المعنويِّ مثل التعليم والتربية وخدمة الناس والدعوة إلى الله، تريد بذلك أن تبين للمتلقي أن حتى الذين ليس لهم مال ينفقونه في أوجهه المشروعة، قد فتح الله لهم ما يدركون به فضل الإنفاق، فكل ينفق مما آتاه الله .
وكان من الممكن تخصيص هذه الخطبة لموضوع: “اَلتَّرْغِيبُ فِي وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ سوى الزكاة ” على إنفاق المال انسجاما مع العنوان واستيعابا لمضامينه، ثم جعل خطبة خاصة عن الإنفاق المعنوي حتى لا يقع التشويش والخلط بينهما. والاختصار الشديد يخل بالخطبة .
6- افتقرت الخطبة عن ذكر النماذج البشرية الواقعية في الإنفاق سواء في الحقوق الواجبة أو المندوبة والتطوعية، وهو أسلوب يحيل المبادئ المجردة إلى واقع ملموس، مما يسهل على المصلين فهمها واستيعابها وتطبيقها في حياتهم اليومية.
***
[1] – صحيح البخاري.
[2] – صحيح مسلم.
[3] – سنن أبي داود (4919) وسنن الترمذي (2509) في صفة القيامة، وقال الأرناؤوط: وهو حديث صحيح.
[4] – تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي. البداية والنهاية، لابن كثير في كلاهما في ترجمة ابن المبارك.





