إصلاح الذات قبل إصلاح المجتمع – محمد رماش

في خضم الانشغال بالشأن العام، والعمل السياسي أو الدعوي أو الجمعوي، قد ينشغل الإنسان بتقويم الآخرين أكثر من انشغاله بتقويم نفسه، مع أن أولى خطوات الإصلاح الحقيقي تبدأ من الداخل. فمراقبة العيوب الذاتية، ومحاسبة النفس على التقصير والأخطاء، تمثل أساس كل مشروع إصلاحي ناجح ومستدام.
إن من أعظم ما يفسد العلاقات بين الناس ويهدم الثقة بينهم إطلاق اللسان في أعراض الآخرين، والوقوع في الغيبة والنميمة والتجريح. فالإنسان المؤمن يستحضر دائما أنه سيقف يوما أمام محكمة العدل الإلهية، حيث لا تضيع الحقوق، ولا تنسى الكلمات، ولا يهمل ما صدر من قول أو فعل. ومن هذا الاستحضار تنبع الحكمة في الحديث، والإنصاف في الحكم، والرحمة في التعامل.
كما أن العمل في السياسة أو في مؤسسات المجتمع لا يمنح صاحبه امتيازا على الناس، بل يحمله مسؤولية أكبر. فالموقع القيادي أو الحزبي أو الدعوي ليس وسيلة للتعالي والتكبر واحتقار الآخرين، وإنما هو تكليف قبل أن يكون تشريفا. وكلما ارتفع الإنسان في مراتب المسؤولية، ازدادت حاجته إلى التواضع وضبط النفس ومراجعة السلوك.
إن القدوة الحسنة تسبق الخطب والشعارات. فالناس لا يقتنعون بالكلمات الجميلة وحدها، وإنما يقتنعون بما يرونه من أخلاق وسلوك ومواقف. ولذلك كان أثر الفعل أبلغ من أثر القول. ومن أراد أن يؤثر في الناس فليبدأ بإصلاح نفسه، وليكن رفيقا في تعامله، هينا لينا في خطابه، قريبا من قلوب الناس دون تكلف أو تصنع.
ويشبه المصلح الناجح الطبيب الماهر الذي يهيئ مريضه بالكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة قبل أن يبدأ العلاج. فهو يدرك أن النفوس لها مفاتيح، وأن القلوب تفتح بالرحمة والاحترام أكثر مما تُفتح بالتعنيف والتشهير.
لقد أنهكت مجتمعاتنا مظاهر الغدر والنفاق والشقاق، وانتشرت فيها ثقافة الاتهام والتجريح والتشكيك، حتى أصبح كثير من الناس في حاجة إلى نماذج صادقة تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتداوي ولا تزيد الجراح عمقا. وإن النخب السياسية والدعوية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن تقدم للناس صورة أخلاقية راقية، تجعل من الصدق والتواضع والعدل والرحمة عنوانا لممارساتها اليومية.
إن تغيير المجتمع لا يبدأ من منصات الخطابة ولا من ساحات الجدل العقيم، بل يبدأ من تزكية النفوس وتطهير القلوب ومراجعة السلوك. فمن أصلح نفسه كان أقدر على إصلاح غيره، ومن انتصر على أهوائه كان أقدر على خدمة مجتمعه ووطنه وأمته.
ولعل الرسالة الأهم التي نحتاج إلى استحضارها جميعا هي أن إصلاح الإنسان لنفسه ليس مرحلة تسبق الإصلاح فحسب، بل هو عملية مستمرة ترافقه في كل مواقع المسؤولية والعطاء. فبقدر ما ننجح في تهذيب ذواتنا، ننجح في بناء مجتمع أكثر عدلا ورحمة وتماسكا.
“فمن أراد أن يغير ما في عقول الناس وقلوبهم، فليبدأ أولا بتغيير ما في نفسه.”





