الرئيسية-قضايا و آراءمدارات فكرية

د إسماعيل حمودي يكتب: نحو أسئلة جديدة

ربما لا تكمن أزمة الفكر دائما في طبيعة الأجوبة التي ينتجها، بل أحيانا في طبيعة الأسئلة التي يُصِرُّ على طرحها. فالأجوبة مهما بلغت من الدقة والعمق تفقد جزءا كبيرا من قيمتها عندما تُصاغ داخل نظام أسئلة لم تعد شروطه التاريخية هي ذاتها.

من موقع الانشغال بتحولات الدولة والسلطة والقوة والنفوذ، يبدو لافتا أن جانبا من الفكر العربي الإسلامي ما زال يبذل جهدا معتبرا في إنتاج أجوبة حول إشكاليات نشأت داخل سياق تاريخي مختلف؛ إشكاليات ارتبطت أساسا بصدمة الحداثة وسؤال العلاقة مع الغرب مثل ثنائيات: الحداثة والتراث، الدين والعلمانية، العقل والإيمان، الشريعة والقانون.

لا يعني ذلك أن هذه الأسئلة انتهت أو فقدت مشروعيتها، فهي لا تزال حاضرة بأشكال مختلفة حتى داخل المجتمعات الغربية نفسها، لكن موقعها تغير. لم تعد هذه الثنائيات تشكل وحدها الإطار الأعلى لفهم تحولات العالم، بل أعيد إدراجها داخل أسئلة أوسع تتعلق بالدولة، والحوكمة، والتكنولوجيا، وإدارة المخاطر، ومستقبل الإنسان ذاته.

فكل مرحلة تاريخية لا تنتج فقط أجوبتها، بل تنتج قبل ذلك نظام أسئلتها. وقد كانت أسئلة القرن التاسع عشر وجزء كبير من القرن العشرين مرتبطة أساسا بمشكلة الانتقال إلى الحداثة: كيف تنتقل المجتمعات من التقليد إلى الحداثة؟ كيف تحقق التنمية؟ وكيف تلحق بالنموذج الغربي المتقدم؟

وفي المجال العربي الإسلامي صيغ السؤال الشهير: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ ومنه تفرعت مشاريع الإصلاح الديني، والنهضة، والتحديث، والبحث عن المصالحة أو المفاصلة بين التراث والحداثة.
لكن العالم الذي أنتج تلك الأسئلة تغير بصورة عميقة. فلم تعد الحداثة اليوم مجرد وعد بالقطيعة مع التخلف، بل أصبحت هي نفسها موضوعا للمساءلة.

لم يعد السؤال فقط: كيف نصبح حديثين؟ بل أصبح: كيف نتعامل مع المشكلات التي أنتجتها الحداثة ذاتها؟ وهنا يظهر التحول الذي عبّر عنه مفكرون مثل أولريش بيك في كتابه عن “مجتمع المخاطر العالمي”، حيث لم تعد المجتمعات الحديثة تواجه فقط مشكلات التخلف أو نقص التنمية، بل تواجه مخاطر ناتجة عن نجاحها ذاته: التكنولوجيا، البيئة، الذكاء الاصطناعي، الأزمات العابرة للحدود، والهشاشة التي يولدها الترابط العالمي.

في السياق ذاته، يمكن الإشارة إلى زيغمونت باومان من خلال مفهوم “الحداثة السائلة” إلى أن المؤسسات والهويات والعلاقات التي كانت تبدو ثابتة وصلبة أصبحت أكثر هشاشة وتحولا. أما إدغار موران فقد دعا إلى تجاوز التفكير الخطي والثنائيات المغلقة للقرن التاسع عشر والقرن العشرين نحو “الفكر المركب”، لأن مشكلات العالم الجديد لم تعد قابلة للفهم بمنطق الاختيارات البسيطة: تقليد أو حداثة، محلي أو عالمي، دولة أو سوق.

ولهذا السبب، بينما ينشغل جانب مهم من الفكر السياسي العالمي اليوم بقضايا أزمة الديمقراطية الليبرالية، وصعود الشعبوية، والذكاء الاصطناعي، وتحولات القوة، وعودة الجغرافيا السياسية، تبدو إسهامات جزء من الفكر العربي الإسلامي، أحيانا، وكأنها ما زالت تتحرك داخل أفق الأسئلة الأولى للحداثة.

غير أن الأمر لا يمكن اختزاله فقط في ضعف المواكبة الفكرية. فالمجتمعات العربية تعيش وضعا أكثر تركيبا، لأنها تواجه تراكب أزمنة تاريخية متعددة: فهي من جهة لم تستكمل بعد الإجابة عن أسئلة بناء الدولة، والشرعية السياسية، والتنمية، وعلاقة الدين بالمجال العام؛ لكنها من جهة أخرى أصبحت مضطرة إلى مواجهة أسئلة القرن الواحد والعشرين المتعلقة بالرقمنة، والمخاطر العالمية، وتحولات القوة والنفوذ.
بمعنى آخر، نحن لا ننتقل ببساطة من أسئلة قديمة انتهت إلى أسئلة جديدة بدأت، بل نعيش لحظة تتجاور فيها أسئلة الحداثة الأولى مع أسئلة الحداثة الثانية.

ويلاحظ أن بعضا من المجتمعات غير الغربية قطعت أشواطا في مسار إعادة صياغة علاقتها بالحداثة. فالصين على سبيل المثال، لم تعد تطرح السؤال بصيغة: كيف نلتحق بالغرب؟ بل بصورة مختلفة: هل يمكن إنتاج تحديث اقتصادي وتقني خارج النموذج الليبرالي الغربي؟ وهي تجربة لا تزال موضوع جدل، لكنها تكشف أن النقاش العالمي لم يعد يدور حول طريق واحد نحو الحداثة، بل حول تعدد مساراتها.

والأمر نفسه يظهر في التحولات الجيوسياسية الراهنة، حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالأرض والجيوش والموارد التقليدية، بل أصبحت ترتبط بالبيانات، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والسيطرة على شبكات المعرفة والتأثير.

لقد كان السؤال المركزي في القرن العشرين: أي مشروع ينبغي أن يحكم العالم؟ الليبرالية؟ الاشتراكية؟ القومية؟ أم الدين؟. أما سؤال القرن الواحد والعشرين فيبدو مختلفا: كيف يمكن العيش وإنتاج النظام داخل عالم شديد التعقيد واللايقين؟

ومن هنا فإن التحدي أمام الفكر العربي الإسلامي ليس التخلي عن أسئلته التاريخية، وإنما إعادة صياغتها داخل أفق جديد. فالمشكلة ليست في البحث عن أجوبة جديدة فقط، بل قبل ذلك في امتلاك القدرة على إنتاج أسئلة جديدة تناسب طبيعة اللحظة التاريخية التي نعيشها.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى