بمناسبة اليوم العالمي للوالدين.. دعوات دولية لحماية الأسر ضمانا لاستقرار المجتمعات

احتفل العــــالم في فاتح يونيو باليوم العالمي للوالدين تحت شعار “معا من أجل الوالدين”، وهو الموعد السنوي الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 2012 ليكون مناسبة دولية لتقدير الدور المحوري للأسرة، وتثمين تضحيات الآباء والأمهات في تنشئة الأجيال الصاعدة وتوفير بيئة أسرية تحيطها المحبة والتفاهم.
وركزت احتفالات هذا العام، التي تتزامن مع إطلاق “شهر التربية” على أن تربية الأطفال ليست مسؤولية فردية معزولة تقع على عاتق الأسر وحدها، بل تتطلب دعما مجتمعيا ومؤسساتيا شاملا.
ودعت منظمة اليونيسيف الحكومات والشركاء الدوليين إلى الاستثمار في برامج دعم الوالدين وتوسيع السياسات الصديقة للأسرة، بما في ذلك إجازة الأبوة المدفوعة، ورعاية الأطفال بأسعار معقولة، وتوفير خيارات العمل المرن.
وفي سياق هذه الدينامية الدولية، شاركت سفيرة اليونيسيف للنوايا الحسنة ميلي بوبي براون تجربتها الشخصية كأم جديدة لتسليط الضوء على التحديات العاطفية والمسؤوليات الكبيرة التي ترافق الوالدية، مشددة على أهمية وجود شبكات دعم قوية لمساعدة مقدمي الرعاية على تجاوز ضغوط الحياة اليومية.
وفي المغرب، تعيش الأسرة المغربية مرحلة انتقالية كبرى بين ثبات القيم الأصيلة وتحديات التحول المتسارعة، حيث يرى خبراء أن الأسرة المغربية انتقلت من النمط “الممتد” الذي كان يحظى بدعم الأقارب إلى النمط “النووي” الأكثر استقلالية، مما أدى إلى تراجع السلطة الرمزية التقليدية للأبوين القائمة على “الهيبة الآمرة” لصالح سلطة جديدة تُبنى عبر القدوة والحوار والإنصات.
وتواجه الروابط الأسرية في المغرب ضغوطا ثلاثية الأبعاد تتمثل في غلاء المعيشة الذي يؤثر على الاستقرار المادي، وسطوة الوسائط الرقمية والهواتف الذكية التي تسرق وقت الجلسات العائلية، بالإضافة إلى خطابات دخيلة قد تصور طاعة الوالدين كنوع من التضييق على الحرية الفردية.
وبالرغم من هذه التحولات، لا تزال منظومة القيم المغربية تمتلك “نواة صلبة” تستمد قوتها من المرجعية الدينية التي تكرس بر الوالدين كفريضة أخلاقية واجتماعية، وهو ما يظهر بوضوح في استدامة الطقوس الجماعية كاجتماع العائلة حول مائدة الأبوين في الأعياد والمناسبات الدينية.
من جانب آخر، نبهت تقارير اجتماعية ونفسية إلى وجود سلوكيات حديثة قد تؤثر بعمق في نفسية الوالدين وتزعزع أسس الأمان داخل البيت، من أبرزها الجحود وعدم التقدير للتضحيات المبذولة، وزعزعة الثقة عبر الكذب، والتهميش المتعمد للأبوين من خلال إبعادهما عن تفاصيل حياة الأبناء المهمة بعد استقلالهم.
وتكتسي هذه القضية أهمية بالغة في ظل التحول الديمغرافي الذي يشهده المغرب، حيث انتقلت نسبة الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق من 9.4% في عام 2014 إلى 12.7% في عام 2023، مع توقعات بأن تشكل هذه الفئة ربع سكان المملكة بحلول عام 2050، مما يفرض تحديات جسيمة تتعلق بالرعاية الصحية والحماية الاجتماعية وضمان الدخل القار لكبار السن.
وأكدت الأمم المتحدة على أن الاحتفاء بالوالدين يتجاوز مجرد تقديم الهدايا الرمزية ليشمل مطالبة الحكومات بإقرار “اقتصاد الرعاية” كقطاع قائم بذاته، يضمن حقوق العاملين في الرعاية المنزلية ويوفر مرافق القرب والنوادي النهارية التي تكسر عزلة المسنين، لضمان توازن مستدام بين الحقوق والواجبات داخل المجتمع.
وتظل هذه المناسبة التي بدأت جذورها منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما اهتمت الأمم المتحدة بمخاطر تفكك الأسرة، صرخة عالمية لتعزيز التضامن بين الأجيال والاستثمار في الوالدية كركيزة أساسية لبناء مجتمعات مستقرة ومنتجة.





