الحرية والإرادة في التصور الإسلامي: دراسة مفاهيمية في ضوء الأدلة الشرعية – عبد الحق لمهى

تُعد مسألة الحرية من القضايا المركزية في الفكر العقدي والفلسفي الإسلامي، لارتباطها الوثيق بمبحث الإرادة الإنسانية، ومبدأ التكليف، وعلاقة فعل العبد بمشيئة الله تعالى. ويقتضي التحليل العلمي لهذا المفهوم ضبطه ضمن الإطار العقدي دون إغفال أبعاده الفلسفية والسلوكية.
أولا: يقرر التصور الإسلامي إثبات الإرادة الإنسانية على وجهٍ حقيقي بما يترتب عليه التكليف الشرعي والمحاسبة. ويتجلى هذا الأصل في قوله تعالى:﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وهو نص يدل على اعتبار الاختيار الإنساني من جهة الفعل والتوجه. غير أن هذا الإثبات لا يستلزم الاستقلال الإرادي المطلق، إذ تقرر النصوص الأخرى أن مشيئة العبد واقعة ضمن مشيئة الله تعالى، كما في قوله سبحانه:﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وبذلك يتحدد الفهم العقدي للإرادة بوصفها إرادة معتبرة شرعًا، غير منفصلة عن التقدير الإلهي.
ثانيا: يميز التصور الإسلامي بين مفهومي التأثير والإكراه في تحليل الفعل الإنساني. فالتأثير يُفهم بوصفه عوامل موجهة للسلوك (كالبيئة، والعادة، والميول النفسية)، دون أن تسلب القدرة على المخالفة. أما الإكراه فهو انتفاء القدرة على الاختيار أو انتزاعها، بما يترتب عليه ارتفاع المؤاخذة الشرعية. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ حيث رُفع الحكم التكليفي عند تحقق الإكراه المعتبر.
ثالثا: يرتبط الفعل التعبدي في الإسلام بمفهوم القصد والنية ارتباطا بنيويا، بحيث لا تتحقق ماهية العبادة شرعا إلا بوجود الإرادة القصدية. ويؤسس لهذا الأصل الحديث النبوي الشريف إنما الأعمال بالنيات، الذي يُعد قاعدة أصولية في تحديد قيمة العمل الشرعي، حيث يُردّ الاعتبار إلى الباعث الداخلي لا إلى الصورة الظاهرة للفعل.
رابعا: يقرر الإسلام أصل حرية الاعتقاد استنادًا إلى قوله تعالى:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
وهو نص يفيد انتفاء الإلزام القسري في أصل الدخول في الدين، مع ترتيب المسؤولية على الاختيار الواعي، لا على القهر الخارجي.
خامسا: لا تُفهم الحرية في التصور الإسلامي بوصفها استقلالًا تامًا عن المؤثرات، إذ إن السلوك الإنساني يقع ضمن منظومة مركبة من الدوافع النفسية والاجتماعية والمعرفية. إلا أن وجود هذه المؤثرات لا ينفي صفة الاختيار ما دام الفاعل قادرًا على الترجيح بين البدائل، وهو ما يُميز الفعل الاختياري عن الفعل الجبري.
سادسا: يتأسس المعنى القيمي للحرية في الإسلام على توجيه الإرادة نحو ما يُدرك أنه الحق، لا على مجرد إشباع الرغبات أو الاستجابة للضغوط. ويشير القرآن إلى خطر الانقياد غير الواعي بقوله تعالى:﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ مما يدل على أن غياب الضبط المعياري للإرادة يؤدي إلى نوع من التبعية غير الواعية.
سابعا: بناءً على ما سبق، يُفهم القول بأن “الحرية الحقيقية تتحقق في عبادة الله” باعتباره تقريرا للبعد القيمي والأخلاقي للحرية، لا تعريفا اصطلاحيا لها. فعبادة الله تعالى تمثل توجيهًا للإرادة نحو غاية عليا، وتحريرًا للإنسان من التبعية المطلقة للأهواء والضغوط المتعددة.
من خلال ما تقدم، يتحدد مفهوم الحرية في التصور الإسلامي بوصفه قدرة الإرادة الإنسانية على الاختيار ضمن إطار المسؤولية الشرعية، مع عدم انفصالها عن مشيئة الله تعالى. وبذلك لا تُفهم الحرية كاستقلال مطلق، ولا كإكراه محض، بل كفعل اختياري مسؤول، تتجلى ذروته في التوجه الواعي نحو الحق وفق الضوابط الشرعية.





