د محمد ابراهمي يكتب: سلطة النص أم سلطة التاريخ؟ (2/3)

يعتبرالقرآن الكريم في التصور الإسلامي المرجع الشامل المؤطر لحركة التاريخ والفكر، والمعيار الضابط لنتاجات المعرفة، بينما اتجه عدد من الباحثين إلى ربطه بمعطيات التاريخ وأحداثه وتطوراته، وجعلوا منها مرجعا في الفهم والتفسير، بل ومنطلقا لتجديد النظر في الفهم والاستنباط والتنزيل.
فإلى أي حد يخضع النص لسلطة التاريخ دون أن يفقد سلطته المرجعية؟ وهل يعد ارتباط النص بسياقه التاريخي مقيدا لدلالته، وموجها لفهمه واستنباط أحكامه وتنزيلها على الأحداث المستجدة والمتغيرة؟
تعد مقولة “تاريخية النص” من أبرز المرتكزات النظرية التي قامت عليها القراءة الحداثية للقرآن الكريم، حيث انطلقت من فرضية أساسية مفادها أن النص الديني بما في ذلك القرآن لا ينفصل عن سياقه التاريخي الذي تشكل فيه، فهو منتج لحركة التاريخ وتفاعلاته، وأن فهمه لا يكون إلا برده إلى شروطه الزمانية والمكانية. [1]
وبناء على ذلك تم النظر إلى الأحكام والمعاني الواردة في النص بوصفها استجابات ظرفية لواقع معين، لا تتجاوز حدوده ولا تتعداه إلى غيره من الأزمنة، ومن هنا تحولت العلاقة بالنص من كونه مرجعية متعالية موجهة للواقع إلى كونه معطى تاريخيا خاضعا له، الأمر الذي يفضي إلى نسبية دلالاته وإمكانية تجاوزها.[2]
وقد سعت هذه المقاربة إلى تأسيس مشروعها، والدفاع عن مقولاتها من داخل التراث الإسلامي نفسه، من خلال إعادة توظيف بعض علوم القرآن، كأسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ[3]، لتأكيد الارتباط الوثيق بين النص والواقع، غير أن هذا التوظيف لم يكن امتدادا لوظيفتها الأصلية في المنهج الأصولي، بل تحويلا لها من أدوات للفهم إلى آليات لتقيد النص وتوجيه منهج التعامل معه، فأسباب النزول التي تبين سياق الخطاب وتوضح ظروف وحيثيات نزوله، جرى توظيفها لإثبات أن الحكم مقصور على السبب الذي نزل فيه، وأنه لا يتجاوزه إلى غيره، كما تم التعامل مع مبحث المكي والمدني باعتباره دليلا على مرحلتين تاريخيتين متباينتين في الرؤية والمضمون، لا مجرد مرحلتين في بناء التشريع وتدرجه، وأن الدين هو منتج ثقافي[4] أما النسخ فقد استدعي لإثبات خضوع النص للتغير تبعا لتغير الواقع، بما يوحي بإمكانية استمرار هذا التغير خارج زمن الوحي.
غير أن هذا التصور يواجه جملة من الإشكالات المنهجية التي تكشف عن محدوديته، وتبرز تهافته عند عرضه على القواعد الأصولية التي تأسس عليها الفهم الإسلامي للنص.
فأول هذه الإشكالات يتمثل في إغفال القاعدة المركزية التي تقرر أن “العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، وهي قاعدة تؤكد أن النص وإن نزل في واقعة معينة فإن دلالته تتجاوزها إلى كل ما يندرج تحت معناه، [5] وبذلك يتحقق التوازن بين الارتباط بالسياق والانفتاح على المطلق الزمني المفتوح إلى قيام الساعة، وهو ما يضمن للنص صلاحيته المستمرة، وقدرته على مواكبة التحولات دون أن يفقد ثوابته.
كما أن التوسع في ربط النص بأسباب النزول يتعارض مع المعطيات العلمية التي تثبت أن نسبة كبيرة من الآيات لم تنزل لسبب خاص،[6] مما يدل على أن الخطاب القرآني في جوهره خطاب تأسيسي عام، لا مجرد استجابة لحوادث جزئية. أما النسخ فإنه –في التصور الأصولي– ظاهرة منضبطة محدودة، وقعت في نطاق معين ولحِكم تشريعية مرتبطة بالتدرج، ولا يمكن تعميمها لتصبح مبررا لإخضاع النص لحركة الواقع بعد اكتمال الوحي،[7] بل إن النسخ لم يرد على الكليات والقواعد العامة، وإنما تعلق ببعض الجزئيات التي اقتضت الحكمة الإلهية تغييرها في سياق بناء التشريع.
ويتجلى الخلل في هذه المقاربة في تحويل “التاريخ” من عنصر مساعد على الفهم إلى سلطة حاكمة على النص، بحيث يصبح هو المحدد لمعناه ووظيفته. ففي حين أن المنهج الإسلامي يستحضر التاريخ لفهم النص واستخراج دلالاته، فإن القراءة الحداثية تجعل من التاريخ مرجعية عليا تُقاس بها صحة الأحكام وصلاحيتها. وهذا التحول يؤدي إلى قلب العلاقة بين النص والواقع، حيث يفقد النص موقعه كمرجعية موجهة، ويتحول إلى تابع لحركة المجتمع وتغيراته.
ويترتب على هذا التحول آثار عميقة على مستوى البناء التشريعي والقيمي، إذ يؤدي إلى نسبية الأحكام، وإلى تقويض الكليات التي يقوم عليها التشريع الإسلامي، مما يفضي إلى إفراغ الشريعة من بعدها الإلزامي، وتحويلها إلى مجرد تجربة تاريخية قابلة للتجاوز. كما ينعكس ذلك على مستوى الهوية، حيث يضعف الارتباط بالمصدر المؤسس المتمثل في الوحي بنصوصه المرجعية، وتتوارى بالتدرج الخصوصية الحضارية تحت ضغط النماذج والمناهج المستوردة بدعوى الحداثة.
وينبغي التنبيه إلى أن استحضار الواقع والتاريخ في فهم النص لا يعد في ذاته إشكالا، بل هو جزء أصيل من منهج الاجتهاد في الإسلام، الذي يقوم على تنزيل الأحكام على الوقائع، ومراعاة تغير الأحوال والأعراف، بل يعتبر العرف مصدرا من مصادر التشريع، وقد قعد العلماء بناء على ذلك قواعد فقهية مؤطرة للفكر والاجتهاد، لكن هذا الاستحضار يظل منضبطا بقواعد تضمن بقاء النص حاكما وموجها، لا محكوما عليه وتابعا. ومن هنا فإن الفرق الجوهري لا يكمن في حضور التاريخ أو غيابه، بل في موقعه من عملية الفهم، فهو أداة لفهم النص، لا سلطة لإعادة تشكيله.
إن استحضار الواقع والتاريخ في فهم النص أمر ثابت في الاجتهاد الإسلامي، غير أن الغاية منه ليست إخضاع النص لسلطة التاريخ، بل إخضاع التاريخ لسلطة النص.
***
[1] :نقد النص: على حرب، المركز الثقافي العربي، ط: 3، 2000، ص: 65.، وكتاب الفكر الأصولي و استحالة التأصيل ، محمد أركون ص: 193 .
[3] : مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، د: نصر حامد أبو زيد، المركز الثقافي العربي، ط: 5، 2000، ص: 75.
[4] : التدين والحداثة، د: محمد جواد لاريجاني، ترجمة على رضائي، دار الغدير، بيروت، لبنان، ط: 1، 1421هـ/2001م، ص: 34.
[5] : يمكن التوسع في الفكرة بالعودة لكتاب الإبهاج في شرح المنهاج على منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي، تحقي : جماعة من العلماء، (2/185-186).
[6] : النصوص التي نزلت لسبب خاص قليلة بالمقارنة مع النصوص التي نزلت عامة، إذ يقدرها الإمام السيوطي ف (888) نصا، وفي (472) نصا عند الإمام الواحدي، أي إن الآيات ذات الأسباب لا تتعدى 14 في المائة من مجموع آي القرآن، وهناك أكثر من 85 في المائة نزل بدون سبب، والأمر نفسه ينطبق على الأحاديث النبوية التي وردت بسب والتي لم ترد بسبب
[7] : للتفصيل أكثر يمكن العودة للموافقات للإما الشاطبي، ج: 3، ص: 77/89.



