
تواصل آلة الحرب “الإسرائيلية” خرقها لاتفاق وقف إطلاق النار باستهداف المدنيين إذ استشهد زوجان وطفليهما اليوم الخميس 10 شتنبر 2026، جراء قصف قوات الاحتلال “الإسرائيلي” منزلا في مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة، كما أصيب عدد من المواطنين وسط حديث عن مفقودين تحت الأنقاض.
وقصفت قوات الاحتلال مدفعيا مناطق شرق مدينة غزة، فيما أطلقت زوارق حربية “إسرائيلية” النار بشكل مكثف في بحر مدينة خان يونس، وفي المناطق الشرقية من محافظة وسط قطاع غزة، فيما وصلت إصابة حرجة إلى مجمع ناصر الطبي، جراء قصف من مسيّرة “إسرائيلية” استهدف شارع الطينة شمال مدينة خان يونس، في مواصي القرارة.
عدوان متواصل
وتعرض عدد من المواطنين لإصابات جراء إطلاق آليات الاحتلال ومسيّراته النار بكثافة على مراكز الإيواء وخيام النازحين في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، إذ أطلقت آليات الاحتلال النار بشكل مكثف في مناطق شمال القطاع، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف المناطق الشرقية من مخيم جباليا، فيما أطلق الطيران المروحي الإسرائيلي النار شمال شرقي القطاع.
وفي محيط ساحة مسجد الخلفاء بمخيم جباليا، تزامن إطلاق النار من الطيران المروحي مع قصف مدفعي وإطلاق نار مكثف، وسط تحليق منخفض للمروحيات “الإسرائيلية” في المنطقة.

وفي مدينة غزة، استهدف قصف مدفعي إسرائيلي وإطلاق نار كثيف من الدبابات المناطق الشرقية للمدينة. وفي وسط قطاع غزة، أطلقت قوات الاحتلال قنابل إنارة شرقي مخيم البريج.
أما في جنوبي القطاع، فأفادت مصادر محلية بإطلاق نار مكثف من الآليات “الإسرائيلية” باتجاه المناطق الواقعة شرقي مدينة حمد، شمالي خان يونس.
ووفق وزارة الصحة، ارتفعت حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 73.669 شهيدا، أغلبيتهم من الأطفال والنساء، منذ بدء عدوان الاحتلال “الإسرائيلي” في السابع من أكتوبر 2023.
وأضافت المصادر أن حصيلة الإصابات ارتفعت إلى 174,652 إصابة منذ بدء العدوان، مشيرة إلى أن عددا من الضحايا لا يزالون تحت الأنقاض وفي الطرقات، ولا تستطيع طواقم الإسعاف والدفاع المدني الوصول إليهم.
نزوح متكرر
وخلال اليومين الأخيرين، ارتفعت وتيرة الغارات على مناطق مأهولة، وطالت منازل وأحياء مكتظة بالسكان في تصعيد يعيد إلى المشهد واحدة من أكثر أدوات الحرب قسوة، ضرب المناطق السكنية وتحويلها إلى ساحات مفتوحة للنيران بما يدفع العائلات إلى النزوح مرة أخرى.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يعيش فيه الفلسطينيون في القطاع وسط ظروف إنسانية شديدة القسوة، بعدما دُمرت مساحات واسعة من البنية السكنية، واضطر مئات آلاف السكان إلى الإقامة في خيام ومساكن مؤقتة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وتكشف عودة هذا النمط من القصف أن المناطق المدنية لا تزال في قلب العمليات العسكرية الصهيونية، في وقت تضيق فيه مساحة القطاع أمام السكان، وتتقلص الخيارات المتاحة أمام العائلات التي تبحث عن مكان أكثر أمنا.
وتزداد خطورة التصعيد حين يتزامن القصف مع أوامر إخلاء تستهدف مناطق سكنية، إذ يتحول التحذير إلى مقدمة لنزوح جديد، فيما لا يملك السكان ضمانات بأن الوجهة التي يصلون إليها لن تصبح بدورها هدفا للغارات.
الوضع الإنساني
حذرت الأمم المتحدة من اقتراب نفاد مخزونات الإمدادات الأساسية في قطاع غزة في وقت يواصل فيه الاحتلال غارات على المناطق المأهولة والمربعات السكنية ومخيمات الإيواء، ما يؤدي إلى إصابة المواطنين، وإلحاق أضرار بالممتلكات، وإجبار مزيد من العائلات الفلسطينية على فقدان المأوى والنزوح من جديد.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، في مؤتمر صحفي أمس الأربعاء، إن الغارات الجوية “الإسرائيلية” والهجمات الأخرى ما تزال تستهدف مناطق مأهولة بالسكان، محذرا من أن استمرارها يعرّض المدنيين للخطر ويعمّق الاحتياجات الإنسانية في القطاع.
وقال المتحدث إن غارة استهدفت قبل يومين مبنى في مخيم البريج وسط قطاع غزة بالقرب من مدرستين تابعتين للأمم المتحدة تستخدمان كمأويين مؤقتين للنازحين، إضافة إلى مخبز تدعمه المنظمة الدولية، أدت إلى فقدان نحو 100 أسرة مساكنها وممتلكاتها لتجد عائلات نزحت أصلا هربا من القصف نفسها أمام موجة نزوح جديدة وفقدان ما تبقى لها من مأوى ومقتنيات.
وفي السياق ذاته، شدد المسؤول الأممي على أن مخزونات الإمدادات الأساسية في قطاع غزة غير كافية في ظل نقص التمويل واستمرار القيود المشددة المفروضة على قدرة شركاء الأمم المتحدة على تجديد هذه المخزونات.

وأوضح أن الغارات الجوية “الإسرائيلية” والهجمات الأخرى ما تزال تستهدف المناطق المأهولة بالسكان، ما يعرّض المدنيين للخطر ويتسبب بأضرار في الممتلكات، مجددا التأكيد على ضرورة احترام المدنيين والأعيان المدنية في جميع الأوقات، بما في ذلك الملاجئ والمنشآت الإنسانية.
من جهة أخرى، أكدت الهيئة العامة للبترول والغاز بغزة، أمس الأربعاء، دخول 5 شاحنات غاز طهي لتوزيعها على المواطنين بالقطاع.
وقالت الهيئة: “سيتم توزيع الكميات على المواطنين من كشف 04/09 الموحد لجميع محافظات القطاع، وبإجمالي 11576 مستفيدا”، وحثت المواطنين على متابعة رسائلهم وقنوات الاتصال الرسمية.
غزة تستعد للشتاء بخيام مهترئة
ومع اقتراب فصل الشتاء، تتقدم أزمة الإيواء مجددا إلى واجهة المشهد الإنساني مع بقاء آلاف الأسر النازحة في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من الحماية من البرد والمياه.
وفي هذا السياق، أطلق مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، نداء عاجلا لتوحيد الجهود المحلية والدولية وإنقاذ الأسر النازحة من تداعيات موسم الشتاء المقبل.
وقال الثوابتة، في تصريحات صحفية، إن اقتراب فصل الشتاء يفرض الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى خطة واضحة للأولويات، محذراً من أن هشاشة مخيمات النزوح تجعل الأمطار والبرد تهديداً مباشراً لحياة وكرامة آلاف العائلات، ولا سيما الأرامل والأيتام وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة.
ويأتي النداء في وقت تستعد فيه مخيمات النزوح لموسم أمطار جديد، بينما لا تزال غالبية الأسر تعتمد على خيام ومساكن مؤقتة أقيمت في ظروف استثنائية مع ضعف البنية التحتية وشح الإمكانات اللازمة لحمايتها من تسرب المياه والفيضانات.
وحدد “الثوابتة” جملة من الاحتياجات التي قال إنها باتت أولوية عاجلة، في مقدمتها الخيام المقاومة للأمطار، ومواد عزل الخيام، والأغطية والملابس الشتوية، ووسائل التدفئة الآمنة، إلى جانب تجهيز شبكات وممرات لتصريف مياه الأمطار وتعزيز مستلزمات النظافة والصحة العامة.
ودعا إلى توفير الدعم اللوجستي والفني للجان الإيواء والفرق الميدانية، والعمل وفق خريطة احتياجات تحدد الأسر الأكثر هشاشة وتضمن وصول المساعدات إليها قبل اشتداد الأحوال الجوية.

وتؤكد أحدث المعطيات الأممية حجم الفجوة التي تواجه قطاع الإيواء، فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، يحتاج نحو 1.98 مليون فلسطيني، أي 94% من سكان غزة إلى مساعدات الإيواء والمواد غير الغذائية، فيما يواجه 58% من السكان احتياجات إيواء مصنفة حرجة أو كارثية، وتعاني 84% من الأسر قيوداً شديدة في ظروف المعيشة، بينها عدم كفاية الحماية من العوامل الجوية.
وتحذر “أوتشا” من أن الاستعداد للشتاء يواجه نقصا في مخزونات مواد الإيواء والمواد غير الغذائية، بسبب قيود الوصول ونقص التمويل.
وتشير إلى أن نحو 400 شاحنة ستكون مطلوبة لإدخال مواد إيواء أساسية موجودة بانتظار التخليص، بينها آلاف الخيام ومواد العزل وأكثر من 442 ألف قطعة خشب ومستلزمات أخرى.
وتزداد خطورة الشتاء بفعل الدمار الواسع الذي أصاب المساكن والبنية التحتية، فبحسب “أوتشا”، جرى فحص 178,632 وحدة سكنية، تبين أن 60% منها شديدة الضرر أو مدمرة أو غير صالحة للسكن، كما أن جميع محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في القطاع متوقفة، فيما خرجت 70% من محطات الضخ عن الخدمة، ما يؤدي إلى تصريف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يومياً.
الوضع الصحي والبيئي
تحولت أزمة المياه في القطاع المحاصر من مجرد شح في الإمدادات إلى كارثة بيئية وإنسانية تعصف بالخزان الجوفي الساحلي، الذي يمثل شريان الحياة الوحيد والمصدر المائي الطبيعي الأساسي لأكثر من مليوني مواطن ومواطنة تجرعوا مرارة النزوح والتهجير.
ومع التعطل الشامل والاستهداف الذي طال محطات التحلية وتوقف خطوط الإمداد، وانقطاع التيار الكهربائي ونفاد وقود المولدات، يجد النازحون أنفسهم محاصرون بين العطش والشرب من آبار مسمومة تجمع بين الملوحة المرتفعة والتلوث الناتج عن الصرف الصحي.
وفي قلب المخيمات المكتظة، وأسفل الخيام المتهالكة المنتشرة على طول شاطئ البحر، تعيش الأمهات صراعا مريرا لحماية أطفالهن من المياه الملوثة التي تُغسل فيها الأواني والملابس وتؤكل بها الأطعمة، فيما يتحول الاستحمام البسيط إلى تجربة قاسية تترك آثارها الجسدية والنفسية على أجساد الصغار والكبار على حد سواء.
فقد أكد التقرير الفني الشامل لجودة المياه الجوفية في الآبار البلدية لشهر يونيو 2026، والذي استند إلى نتائج الفحوصات المخبرية لـ 93 بئرًا بلدية موزعة على مختلف البلديات، كشف عن استمرار تعرض الخزان الجوفي لضغوط بيئية كبيرة ناجمة عن الاستنزاف المفرط، وتداخل مياه البحر، والتلوث الناتج عن مياه الصرف الصحي والأنشطة البشرية، ما أدى إلى تلوث 83% من الآبار البلدية (77 بئرا من أصل 93) إما كيميائيا أو بيولوجيا، وعدم صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.
وفي تفاصيل التقييم الكيميائي، يوضح المهندس سالم أن متوسط تركيز الأملاح الذائبة الكلية (TDS) بلغ نحو 3,657 ملغم/لتر، وهو ما يتجاوز ثلاثة أضعاف الحد الإرشادي الموصى به لمياه الشرب وفق معايير منظمة الصحة العالمية والمواصفة الفلسطينية البالغ 1,000 ملغم/لتر، فيما تراوحت القيم المسجلة بين 381 ملغم/لتر كأقل قيمة و13,000 ملغم/لتر كأعلى قيمة في بئر العطاطرة، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على تداخل بحري حاد على مسافة 2.6 كم غرب دير البلح و2.4 كم غرب مدينة غزة.

ويعود هذا التلوث إلى الضغط الشديد والتدمير المنهجي لشبكات الصرف الصحي، وتسرب المياه غير المعالجة، وانكسار الأنابيب، إلى جانب انتشار نحو 200 ألف حفرة امتصاصية غير مبطنة في مخيمات النازحين.
وينعكس هذا الواقع البيئي الصعب مباشرة على صحة النازحين، فقد سجلت البيانات الميدانية الصادرة عن المراكز الصحية والطبية ارتفاعا ملحوظا في حالات الطفح الجلدي والجرب والتهابات الكبد الوبائي (أ)، إضافة إلى النزلات المعوية الحادة بين الأطفال في المخيمات، نتيجة الملامسة المباشرة للمياه الملوثة أو استخدامها في النظافة الشخصية.
ويحذر مختصون من أن استمرار ضخ مياه الصرف الصحي دون معالجة واستنزاف الخزان الجوفي بعشوائية يضع قطاع غزة أمام واقع “الجفاف البيئي الملوث”، حيث أصبحت المياه المتوفرة تشكل خطرًا صحيا مباشرا بدلا من كونها شريانًا للحياة، مما يتطلب تدخلا عاجلا لإعادة تشغيل محطات التحلية والمعالجة وتزويدها بالوقود والمعدات اللازمة قبل فوات الأوان.




