أنشطة رئيس الحركةالرئيسية-مدارات فكرية

د أوس رمال يكتب : كيف نحمي وعينا من الاختزال الإعلامي للدين؟

في التمييز بين المعرفة الرصينة والصورة السريعة

أصبح الإعلام بمختلف وسائطه التقليدية والرقمية، أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في تشكيل الوعي المعاصر. فما يراه الناس، ويسمعونه، ويتداولونه يوميًا، لا يقتصر أثره على نقل الأخبار أو عرض الآراء، بل يمتد إلى بناء التصورات، وتوجيه الأحكام، وصناعة الانطباعات العامة. ومن هنا، لم يعد الحديث عن الدين في المجال الإعلامي مجرد نقاش فكري عابر، بل تحول إلى عنصر مؤثر في تشكيل علاقة الناس بدينهم وبمؤسساتهم وبتراثهم.

غير أن الإشكال الذي يطرح نفسه اليوم هو أن المعالجة الإعلامية للدين كثيرًا ما تقع في نوع من الاختزال الذي يُفقد القضايا عمقها وتعقيدها. فبدل تقديم الدين باعتباره منظومة واسعة من القيم والمعاني والاجتهادات والتجارب التاريخية، يُختزل أحيانًا في مشاهد الصراع، أو في بعض الممارسات المتشددة، أو في تصريحات مثيرة للجدل تُنتزع من سياقاتها لتتحول إلى مادة للاستقطاب والإثارة.

وقد ساهمت طبيعة الإعلام الحديث، القائم على السرعة والتأثير اللحظي، في تعميق هذا الاختزال. فالمحتوى الأكثر انتشارًا ليس دائمًا الأكثر علمًا أو توازنًا، بل غالبًا الأكثر إثارة وقدرة على جذب الانتباه. وهكذا تصبح القضايا الدينية المعقدة موضوعًا لعناوين سريعة ومقاطع مقتضبة ونقاشات حادة، تُقدَّم فيها الأحكام الجاهزة بدل التحليل الرصين.

وفي السياق المغربي، يمكن ملاحظة هذا الأمر في عدد من النقاشات المرتبطة بقضايا الأسرة أو الحريات أو التراث أو علاقة الدين بالدولة، حيث تتحول أحيانًا بعض الآراء الفردية أو الحالات المعزولة إلى صورة عامة عن الدين أو المتدينين، كما تُختزل بعض النقاشات الفكرية العميقة في ثنائيات حادة من قبيل: “تقدمي” و”رجعي”، أو “حداثي” و”محافظ”، دون مراعاة لتنوع المواقف وتعقيدها.

كما أن بعض المنصات الرقمية باتت تفضّل “الطرح الصادم” لأنه أكثر قابلية للانتشار، فتُقدَّم القراءات المتسرعة أو المثيرة باعتبارها تعبيرًا عن الجرأة الفكرية، بينما يتم تهميش الخطاب الهادئ والمتزن لأنه أقل إثارة للانتباه. وفي مثل هذا المناخ، يصبح من السهل أن يتشكل وعي سطحي بالدين، يقوم على الانطباعات السريعة بدل المعرفة المتأنية[1].

إن حماية الوعي من هذا الاختزال لا تعني الانغلاق على الإعلام أو رفض النقاش العمومي، وإنما تقتضي امتلاك أدوات القراءة النقدية، والقدرة على التمييز بين المعرفة والإثارة، وبين التحليل والتوجيه، وبين الرأي والمعلومة. كما تقتضي العودة إلى المصادر الرصينة، وعدم الاكتفاء بما تفرضه الخوارزميات أو المقاطع القصيرة من تصورات جاهزة.

وقد نبّه عدد من الباحثين المعاصرين إلى أن الإعلام لا يكتفي بعرض الواقع، بل يشارك في “صناعته” من خلال طريقة التقديم والانتقاء والترتيب[2]. ولذلك فإن الوعي النقدي بالإعلام أصبح اليوم جزءًا من الوعي الفكري والثقافي الضروري لحماية المجتمعات من التبسيط والتوجيه.

وفي المقابل، يتحمل الفاعلون في المجال الديني والفكري جزءًا من المسؤولية أيضًا، حين يتركون الساحة للخطابات السطحية أو المتشنجة، أو يعجزون عن تطوير خطاب تواصلي قادر على مخاطبة الناس بلغة واضحة ومتوازنة. فالمعرفة العميقة إذا بقيت حبيسة النخب، فسيفسح المجال تلقائيًا للصور المختزلة والخطابات الشعبوية. وقد أشار عدد من المفكرين إلى أن أخطر أشكال التأثير الثقافي ليست تلك التي تُفرض بالقوة، وإنما التي تُمرَّر عبر التبسيط والإغراق في الاستهلاك الرمزي السريع[3].

إن المطلوب اليوم ليس فقط الدفاع عن الدين في وجه الاختزال الإعلامي، بل بناء وعي قادر على فهمه في عمقه واتساعه، وقراءة قضاياه بعيدًا عن الاستقطاب والانفعال. وبهذا فقط يمكن أن يتحول الإعلام من مصدر تشويش إلى مجال للتوعية، ومن أداة للاختزال إلى وسيلة لبناء فهم أكثر نضجًا واتزانًا.

وفي الأخير، فإن المجتمعات التي تحسن حماية وعيها ليست تلك التي تمنع الأسئلة أو تغلق النقاش، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على التمييز، وتُحسن صناعة المعرفة، وتربّي أبناءها على التفكير الهادئ والنظر المتوازن.

 

 [1] عبد الوهاب المسيري، *رحلتي الفكرية*، دار الشروق.

[2] بيير بورديو، *عن التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول*، ترجمة درويش الحلوجي، دار كنعان.

[3] زيغمونت باومان، *الحداثة السائلة*، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى