بين يدي الجمع العام السابع للحركة (1)

1 – مساهمات تستحق التثمين

دأبت حركة التوحيد والإصلاح منذ تأسيسها، على فتح أوراش للنقاش والحوار في كل القضايا التي تهم عملها ونشاطها ومشروعها الإصلاحي.

وتزداد وتيرة هذا النقاش كما وكيفا، مع اقتراب كل جمع عام وطني، حيث ينصب الحوار على قضايا المرحلة نقدا لكل الخطوات الخاطئة، وتصويبا لبعض الإختيارات المعوجة، وتوطينا لأهم المسارات الناجحة.

ومساهمة في هذا الحراك الفكري المثمر، والتدافع الثقافي الناجح، نعرض في هذا الجزء لبعض الجوانب المشرقة من مشروع الحركة الرسالي، وإسهاماته العميقة في تجربة العمل الإسلامي. رغبة في إبراز هذه النتائج الطيبة والإنجازات المحترمة، لشريحة واسعة من شباب الأمة الإسلامية. بعيدا عن التصخيم الذي يغالط الواقع، أو التقزيم الذي يشوهه..

وسنركز في هذا الجزء على ثلاث مساهمات:

     أ- قضية الإنسان: محور الإهتمام ومركز التأثير

اشتغلت الحركة منذ بداياتها الأولى، على تأطير الإنسان في ذاته ومحيطه، وتكوينه في كل الجوانب التي تجعله فردا رساليا وعضوا فاعلا وخريجا ناجحا، أي “ميزة تنافسية” يرتكز عليها المشروع الإصلاحي.

منطلقها في ذلك، هو رؤيتها للإنسان وماهية وجوده وحتمية مصيره. ففطرته تحتاج إلى من يُثيرُها ويفتح لها المجال، لتنظم الحياة وتحدد العلاقات، وفق أصولها المرجعية وقيمها الثابتة.

ووظيفته الرئيسية وما يتبعها من لواحق، تنتظر البيان والتوضيح اللازم في كل وقت والمناسب لكل حال. على اعتبار أفضليته وتسخير كل ما يحيط به لخدمته، وفق سنن وقوانين لا تحابي أحد.

ومصيره الذي ينتظره، لابد من تجديد الإرتباط به والتذكير بمعانيه وحقائقه، وتفعيلها في جزئيات حياته، لتنطبع حركته الإجتماعية بها وتسير ركبانه تحت ظلالها.

فأثمرت جهود الحركة، خِدمة لهذه الأهداف والمقاصد، عدة برامج ومجموعة أنشطة، خادمة لرؤيتها ومشروعها الرسالي. كان أبرزها “منظومة سبيل الفلاح” للتربية والتكوين. والتي تسعى الحركة من خلالها إلى تقوية المناعة الروحية لأعضائها، وتعميق السلوك الراشد في حياتهم، وإشاعة الفهم السليم لأفكارها وتصوراتها في مجالات اشتغالهم.

في هذه المنظومة، تأكيد على أولوية التحفيز الإيماني للإنسان تربية وتزكية، ومركزية الصبغة القرآنية لإخراجه من داعية هواه إلى الإنقياد الواعي لقانون الروح.

 لقد بذلت الحركة عبر إمكاناتها المتاحة، وبمجهودات معتبرة على تمكين روادها من القيم التربوية والتصورات الفكرية، بما يجعلهم قدوة في الميدان، فاعلين في التدافع بواجهاته المتعددة. واستطاعت بهذا المنحى أن تقدم نموذجا متميزا للمسلم الرسالي، القادر على تشخيص وبياض الأمراض، والمساهم في إيجاد الدواء و أسباب العلاج، مع تنزيل كل ذلك بقيم البذل وأخلاق العطاء.

فكانت رسالتها هي “الإسهام في إعداد الإنسان وتأهيله، ليكون صالحا مصلحا في محيطه وبيئته.”

      ب- مسألة المنهج: تجاوز المرحلية وإنهاء التقديس

من أخطر التحديات التي واجهت الحركة أزمة المنهج، والتي أخذت منها جهدا كبيرا ووقتا ثمينا. فأمام شمولية الإنحراف وتجذر الفساد، اختارت  الحركة أسلوبا جديدا في تدافعها، يقوم على تحديد وظائف خاصة بالتنظيم المركزي(الدعوة، التربية، التكوين)، وبالموازاة إنشاء واجهات للتنافس الميداني مع مؤسسات المجتمع في فضاءاته المختلفة. فتستثمر مجهودها في إعداد وبناء أعضائها، بتوجيههم حسب استعداد كل عضو إلى هذه الواجهات، للقيام بدوره في الإصلاح والمنافسة على القيام بما يلزم في مجاله ووظيفته.

فكانت سياسة التخصصات، “ترجمة عملية لرغبة الحركة، في الإنتقال من تنظيم محوري جامع بديل متعدد الوظائف، إلى حركة رسالية فاعلة في محيطها ومنفتحة عليه وعلى طاقاته.”

فاستطاعت الحركة بهذا النهج، أولا بتركيز عملها في الوظائف الأساسية “التربية، الدعوة، التكوين”، مع الإنفتاح على المجتمع من خلال مجالات متخصصة، إما تؤسسها أو تنخرط فيها.. ثانيا تجاوز مفهوم المرحلية أو الأطوار في العمل الإسلامي، بما هو تدرج في المحطات، وانتقال من مرحلة إلى أخرى كما وكيفا، ضمن دائرة التنظيم المحوري، ووفق شروط ومحددات تستجيب للمهام المطلوبة، وتتغذى بفكر التغيير الجذري لبناء النموذج المنشود.. إلى آعتماد المخطط الإستراتيجي، القائم على مجموعة من المفاهيم الناظمة  للعمل، وأساليب مستوعبة للمشروع، ونظريات تناسب منهج التدافع السلمي..

كما كان من نتائج هذا الإبداع المتفرد فكرة ومنهاجا، إنهاء مسألة تقديس القيادات ومشيخة الزعامات، وهيممنتهم على التنظيم سواء في إنتاج الأفكار والتصورات، أو في تفردهم بأعمال التربية والدعوة.

فأجواء الشورى الملزمة التي تسود مراحل انتخاب المسؤولين، ومن خلال مؤسسات الحركة وهيئاتها المقررة، وعبر مجالس “سبيل الفلاح” ومثيلاتها من المنتديات والملتقيات، حيث تَلَقِّي المفاهيم الشرعية من مصادرها، وغيرها من فضاءات التسيير والتدبير والتنظيم.. استطاعت الحركة أن تقضي عل فكر الوساطات المدمر للشخصية، وأن تتخلص من عقلية الزعيم الملهم والرمز الذي يفهم في كل شيء. فصار التنظيم الرسالي المتشبع بالمشروع الإصلاحي، تمضي جهوده وتنسق أعماله، عبر مؤسسات منتخبة من الأعضاء العاملين. تمارس حوارها وتصَرِّف  خلافها وتقرر شؤونها في إطار منظومة قيم جامعة. تستوعب القدرات والطاقات، وتنمي المواهب والمهارات، وتحترم التخصص وأهل الخبرات. وتحارب التنطع والتشوف للمسؤوليات، وتحيي معاني بذل الوُسع مع المراجعة والتقويم..

      ج- إشكالية التراث: الإنتقال من تأصيل الفروع إلى تفعيل المقاصد

تركت بعض القيادات المؤسسة للعمل الإسلامي بالمغرب -ذات التوجه الشرعي والتفكير الأصولي المقاصدي- بصمتها بارزة في فكر وعمل الحركة. حيث صاحبت تخصصها العلمي وخبرتها الشرعية، في وظائفها الدعوية ومسؤولياتها التنظيمية.

 فتكلل اجتهادها ونظرها بإنتاج أطروحات مهمة، ساهمت في حل عدة إشكالات معرفية، وتجاوز مجموعة من الصعوبات المنهجية.

بداية بتأصيل العمل الجماعي المنظم، ودفع الشبهات عنه وتأطيره ضمن الواجب الشرعي والضرورة الواقعية، وإخراجه من ضيق السرية إلى رحاب العلنية. ثم تجلية المنهج الدعوي الإسلامي بصورة معاصرة، تستحضر طبيعة الواقع وامتداداته، وإمكانات الموقع وظروفه. وتوجيه جهود العاملين نحو هدف آستراتيجي مركزي وهو: “الإسهام في إقامة الدين وتجديد فهمه والعمل به، على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة.” ومحاصرة تضخم فكرة “إقامة الدولة”، وما أفرزته من إعاقات حركية وأخطاء منهجية وصراعات قاتلة. وتعميق فقه المشاركة داخل أدبيات الحركة، وجعله من الإختيارات الرئيسية لأعمالها، ودعمه بالأسس الفكرية والمنطلقات المرجعية والتجارب الواقعية.

 كما استطاعت هذه القيادة، بشخصيتها المستقلة وعقليتها المقاصدية، المتشبعة بمنهج الإستقراء والإستدلال، والمتمكنة بقوانين المراجعة والنقد والتمحيص، من إثراء التجربة الإسلامية بفتوحات علمية، من قبيل تثبيت قواعد الشورى ومأسستها، وحمايتها بفيض من الأحكام والتشريعات والأنظمة. بما أخرجها من العطالة والإهمال، إلى الفاعلية في التفكير والتدبير، ومنحها طاقة حيوية في تحقيق مصالح الدعوة، وتطوير آليات اشتغالها داخل التنظيم وخارجه..

 عبد الهادي باباخويا

  

العرض المقبل: 2- ملاحظات تنتظر التحسين

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى