عدم المساواة وأثرها على تطبيق حقوق الإنسان – عبد الرحيم مفكير

“لكل إنسان الحق في التمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن أن تتحقق بمقتضاه بشكل كامل الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان”. المادة 28 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

تقديم:

إن  توزيع الدخل والثروة، والديناميكية السياسية المصاحبة له، يمثلان بعداً هاماً لهذا النظام الاجتماعي والدولي، حيث يوجد التزام ضمني في إطار حقوق الإنسان على الدول لتأخذ بعين الاعتبار تأثير عدم المساواة على الحقوق، وتتخذ عند الضرورة الإجراءات اللازمة نحو توزيع أكثر عدلاً للدخل.

عدم المساواة تهديد لتطبيق حقوق الإنسان:

إن عدم المساواة لا يهدد تطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فقط، ولكنه يهدد أيضاً تطبيق جميع أشكال الحقوق في كل مكان. ومساهمة في النقاش على الصعيد العالمي، لا بد من التأكيد على أن الأزمات الاقتصادية والنزاعات المسلحة وحالات الطوارئ الصحية العامة وعدم الأمن الغذائي وتغير المناخ كل ذلك يهدد تطبيق حقوق الإنسان. ضمن هذه الكوكبة من العوامل، برزت مغالاة منذرة بالخطر في عدم المساواة في الدخل والثروة كمجال آخر للقلق المتزايد. يوفر إطار حقوق الإنسان إرشادات جزئية عن تأثير مجتمعاتنا المستقطبة على نحو متزايد، مع استمرار وجود الفجوات. ونظراً للمغالاة الشديدة في عدم المساواة خلال العقود الأخيرة، فمن الأهمية بمكان أن نفهم تماماً العلاقة بين تطبيق حقوق الإنسان وعدم المساواة، كيف نفكر في عدم المساواة ونقيسها، وإلى أي مدى التصعيد في عدم المساواة يهدد تطبيق الحقوق الأساسية، وماذا يقول إطار حقوق الإنسان عن عدم المساواة ، وما الذي لا يقوله؟.

عبد الرحيم مفكير

مجالات عدم المساواة:

يمارس الناس عدم المساواة في عدة مجالات، على سبيل المثال في مجال التحصيل العلمي والصحة وتوزيع السلطة. فتوزيع وقت الفراغ بين الرجال والنساء غير متساو، وحين يتم أخذ متطلبات كل من العمل المأجور وغير المأجور بعين الاعتبار. ويتم قياس عدم المساواة أيضاً بين الأفراد، وبين الأسر، وبين الفئات الاجتماعية (على سبيل المثال الأصل العرقي أو نوع الجنس أو الطائفة) وبين البلدان.

أنواع عدم المساواة:

عند تحديد أنواع عدم المساواة، يوجد تمييز مهم بين عدم المساواة “الأفقية” وعدم المساواة “الرأسية”. تحدث عدم المساواة الأفقية بين جماعات محددة ثقافياً أو اجتماعياً، مثل نوع الجنس أو الأصل العرقي أو الطائفة أو الدين أو الميول الجنسية. تحدث عدم المساواة الرأسية بين الأفراد أو بين الأسر، مثل توزيع الدخل العام أو الثروة الاقتصادية.

التمييز بين عدم المساواة الأفقية والرأسية واضح بشكل خاص في إطار حقوق الإنسان، لأنه يتم دمج قضايا عدم المساواة الأفقية بقوة أكبر. على سبيل المثال، مبادئ حقوق الإنسان المتمثلة في عدم التمييز والمساواة، والتي تنص على أن تطبيق الحقوق لا ينبغي أن يختلف بين الأفراد على أساس نوع الجنس أو الأصل العرقي أو الطائفة أو نوع الجنسية أو الفئات الاجتماعية المماثلة.

وينبغي أن يحظى الناس بتكافؤ الفرص للمطالبة بحقوقهم وبتطبيق مبادئ حقوق الإنسان على جميع الأشخاص على قدم المساواة. وذلك لأن الآثار المترتبة على عدم المساواة الرأسية هي أقل وضوحاً، وهذا لا يعني بالضرورة التوزيع المتساوي للدخل والثروة بشكل مثالي. وقد أكدت التوضيحات الصادرة عن هيئات معاهدات حقوق الإنسان بأن عدم التمييز والمساواة يشيران إلى المساواة الحقيقية والدائمة، سيوجد دائماً بعض المصادر الهيكلية لعدم المساواة وأشكال غير مباشرة من التمييز. ولذلك، يجب أن يكون مفهوم المساواة مرتبطاً بالمعيشة والنتائج بالإضافة إلى الفرص والإجراءات. وإذا ركزنا على المساواة في المعيشة، فربما يكون مطلوباً معاملة مختلفة تجاه مختلف الأشخاص أو الجماعات.

عدم المساواة والهشاشة والفقر أية علاقة؟:

تشير الأدلة إلى أن عدم المساواة في الدخل يصاحبها غالباً معيشة أكثر فقراً فيما يتعلق بالصحة والتعليم والحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأخرى. وليس من المستغرب أن الأسر الأكثر ثراءاً تتمتع بمعيشة أفضل من الأسر الأكثر فقراً. ومع ذلك، يمكن أن تؤدي عدم المساواة في حد ذاتها إلى معيشة أسوأ بغض النظر عن مستوى الدخل. على سبيل المثال، قد يكون مستوى معيشة الأسر ذات الدخل المنخفض في مجتمع غير متكافئ للغاية أسوأ من مستوى معيشة الأسر ذات الدخل المتطابق في مجتمع أكثر مساواة.

وفي إطار حقوق الإنسان، الدولة لديها التزام أساسي باحترام الحقوق وحمايتها وتطبيقها، ولكن هذا يعتمد على وجود دولة تؤدي دورها مع توافر مشاركة ديمقراطية وشفافية كاملتين. ومع ذلك، تؤثر عدم المساواة في الدخل والثروة على العمليات السياسية الرسمية وغير الرسمية بطريقة تحدد حصول الناس على التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل والضمان الاجتماعي.

عندما تتوسع السلطة السياسية للنخبة حيث يصبح توزيع الدخل والثروة أكثر استقطاباً، فإن ذلك يضر بالمجموعة الكاملة لحقوق الإنسان. يقول بعض أساتذة العلوم السياسية أن أي عملية ديمقراطية قادرة على تعويض أثر عدم المساواة في الدخل والثروة. على سبيل المثال، تشير “نظرية الناخب الوسطي” إلى أنه ستتولد ضغوط لإعادة التوزيع في المجتمعات غير المتكافئة طالما توجد ديمقراطية تؤدي دورها بصورة جيدة. وذلك لأن غالبية الشعب –من هم في منتصف توزيع الدخل فما أقل– سوف يصوتون لصالح إعادة التوزيع عندما يتركز الدخل والثروة في أيدي عدد قليل نسبياً. ولكن هذا الأسلوب يؤدي إلى افتراضات قوية جداً: أن الناس قادرون على المطالبة بحقوقهم، وأن الدولة هي عرضة للمساءلة ديمقراطياً، وأن السياسات التي تدعمها الأغلبية لا تقوض حقوق فئات الشعب الأخرى، وأن الاندماج العالمي لا يضع أي قيود على الخيارات السياسية للحكومات الوطنية، وأن المصالح الاقتصادية للنخبة ليست قادرة على التأثير بشكل غير ملائم على السياسة الاقتصادية.

في الواقع، تؤدي عدم المساواة في الدخل والثروة إلى عدم مساواة في توزيع الطاقة. عندما تتوسع السلطة السياسية للنخبة حيث يصبح توزيع الدخل والثروة أكثر استقطاباً، فإن ذلك يضر بالمجموعة الكاملة لحقوق الإنسان. وقد أظهرت الدراسات –التي تدرس الاختلافات بين مجموعة من البلدان وخلافاً لـ”نظرية الناخب الوسطي”–  أن عدم مساواة أكبر يصاحبها إنفاق حكومي على إعادة توزيع أقل، مقاساً من خلال الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. وبالمثل، توجد أدلة على أن النفقات الاجتماعية تقل عندما تتسع الفجوة بين الطبقة الوسطى والطبقة العليا (وهم يمثلون أعلى 10% فقط). ومن المرجح أن تقاوم النخبة الاقتصادية أشكال الضرائب التصاعدية، مما يحد من قدرة الحكومة على تعبئة الموارد اللازمة لتطبيق الحقوق.

خلاصة:

توفر حقوق الإنسان إرشادات جزئية عن تأثير التوسع في عدم المساواة على تطبيق الحقوق. ومع ذلك، يقف إطار حقوق الإنسان عاجزاً عن إعلان توزيع محدد عادل ونزيه للدخل أو الثروة. ويرجع هذا جزئياً إلى أن حقوق الإنسان ترتبط بالمعيشة الفعلية التي تشكل الخيارات والحريات التي يتمتع بها الناس. ولذلك، فإن التوزيع العادل للدخل هو الذي يسمح بأقصى تطبيق ممكن للحقوق بما يتفق مع مبادئ عدم التمييز والمساواة.

عبد الرحيم مفكير

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى