الرئيسية-مدارات فكرية

د محمد ابراهمي يكتب: قراءة النص القرآني.. بين التبعية المنهجية وسؤال الاستقلال المعرفي (3/3)

ينطلق هذا المقال من إشكالية معرفية ومنهجية تتعلق بطبيعة “العقل الحداثي” في تعامله مع النص القرآني، وبحدود الأدوات التي استدعاها من التجربة الغربية في مقاربة النصوص الدينية عموما[1]. فالملاحظ من خلال تتبع مسار هذا العقل أنه تشكل داخل سياق حضاري غربي خاص، تميز بصراع طويل مع المؤسسة الدينية، انتهى إلى بناء نموذج معرفي يقوم على تفكيك النصوص، وإخضاعها لسلطة التاريخ واللغة والأنثروبولوجيا…، مع تقليص حضور البعد الغيبي والقيمي لصالح التفسير المادي والتاريخي للظواهر. وقد ترتب عن هذا التأسيس أن أصبح النموذج الغربي يُقدَّم بوصفه أفقا كونيا للفهم والتفسير[2]، في حين يتم التعامل مع باقي التجارب الحضارية باعتبارها مجرد مراحل لاحقة في سلم تطور مفترض، وهو ما أفضى إلى نوع من الانبهار المنهجي الذي لم يُخضع نفسه للمساءلة النقدية الكافية.

وفي هذا السياق انتقل عدد من المفكرين العرب إلى استنبات هذا النموذج داخل المجال الإسلامي، عبر استيراد أدواته ومفاهيمه ومقولاته كما تشكلت في بيئتها الأصلية، دون إعادة فحص خلفياتها الفلسفية أو شروط إنتاجها التاريخية[3]

وقد أدى هذا النقل إلى إعادة إسقاط إشكالات التجربة الغربية على النص القرآني، وكأن هذا النص يتحرك داخل نفس الشروط التاريخية والمعرفية التي تشكلت فيها النصوص الدينية الغربية. وهنا برزت إشكالية جوهرية تتعلق بمدى مشروعية هذا الإسقاط، وبقدرة هذه المناهج على التعامل مع نص يمتلك طبيعة مختلفة من حيث مصدره وبنيته ووظيفته، نص لا يُفهم فقط بوصفه خطابا لغويا، بل بوصفه مرجعية هادية ومؤسسة لمنظومة قيمية وتشريعية متكاملة. [4]

وقد تجلت إحدى أبرز نتائج هذا التوجه في النزوع إلى قراءة النص القرآني بوصفه ظاهرة تاريخية وثقافية، أي باعتباره نتاجا لسياق بشري معين، خاضعا لشروطه الاجتماعية والسياسية واللغوية، وهو تصور يفضي تدريجيا إلى إعادة تعريف النص نفسه، من كونه وحيا متعاليا إلى كونه خطابا قابلا للقراءة وإعادة التركيب، ومن ثم إخضاعه لآليات التفكيك التي تُستخدم في تحليل النصوص البشرية.

غير أن هذا الانتقال لا يظل عند حدود التحليل المنهجي، بل يتجاوزه إلى مساءلة مركزية النص ذاته، وإعادة النظر في وظيفته المرجعية، وهو ما يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته بنزع القداسة التدريجي عن النص، عبر تحويله إلى موضوع للدراسة النقدية الخالصة، خارج أي إطار معياري مسبق.[5]

ومع ذلك يكشف تحليل بنية العقل الحداثي ذاته عن مفارقة أساسية، تتمثل في كونه عقلا يدّعي الكونية والموضوعية، بينما يظل في الواقع محكوما بحدود تجربته المادية والتاريخية، فهو عقل تشكل داخل أفق تجريبي يركز على الظواهر القابلة للقياس، ويعجز عن التعامل مع الأسئلة الوجودية الكبرى المتعلقة بالمعنى والغاية والمصير، كما أنه يميل إلى تفكيك الكليات إلى جزئيات، وإلى تحويل المعاني والقيم المرجعية إلى علاقات وظيفية، بما يجعله أقرب إلى عقل وصفي تحليلي منه إلى عقل تأسيسي يجيب عن الأسئلة الوجودية، وهذا ما يطرح إشكالا منهجيا عند إسقاطه على نص يتأسس على بعد غيبي وقيمي يتجاوز حدود المادة والتجربة المباشرة.

في مقابل ذلك يقوم التصور الإسلامي للنص القرآني على كونه وحيا متعاليا على الواقع، وفي الوقت نفسه موجه له ومنظما لتفاعلاته، فهو نص يجمع بين الثبات في الأصول والمرجعيات والقيم، والمرونة في التنزيل والتطبيق، بما يسمح له بإنتاج إجابات متجددة عبر الزمن دون أن يفقد وحدته المرجعية[6]، ومنه فإن اختزاله في كونه نتاجا تاريخيا يؤدي إلى تعطيل وظيفته الأساسية المتمثلة في الهداية والتوجيه والتأسيس القيمي، ويحول العلاقة معه من علاقة مرجعية إلى علاقة تحليلية خالصة.

ومن زاوية أخرى يبرز أن الإشكال لا يتعلق فقط بالمناهج المستوردة، بل أيضا بطريقة توظيفها داخل السياق الإسلامي، فالمشكل ليس في وجود أدوات تحليل حديثة في ذاتها، وإنما في تحويلها إلى مرجعية حاكمة تُقصي المرجعية الأصلية، وتحدد سلفا طبيعة الأسئلة الممكن طرحها وحدود الأجوبة الممكن الوصول إليها، وهو ما يجعل العملية المعرفية أقرب إلى تبعية منهجية منها إلى اجتهاد نقدي مستقل، خاصة حين يتم تبني الإشكالات الجاهزة للنموذج الغربي دون مساءلة ملاءمتها للواقع التاريخي ولطبيعة النص الإسلامي.

ويمكن القول إن تجاوز هذا الوضع لا يتحقق بالرفض الكلي للمناهج الحديثة، ولا بالانصهار الكامل فيها، بل من خلال بناء مقاربة تميز بين الأدوات المنهجية القابلة للاستثمار العلمي، وبين الخلفيات الفلسفية التي قد لا تنسجم مع المرجعية الإسلامية، فالمطلوب ليس الانغلاق على الذات، ولا الذوبان في الآخر، بل إنتاج رؤية منهجية قادرة على التفاعل النقدي مع المنجز المعرفي الإنساني، دون التفريط في الخصوصية المرجعية التي تمنح للنص القرآني مكانته ووظيفته في بناء التصور والمعنى والقيمة.

وبذلك يتضح أن الإشكال المركزي في القراءة الحداثية للنص القرآني لا يكمن فقط في أدواتها، بل في أفقها المرجعي الذي يحكم هذه الأدوات ويوجهها، فحين تُستورد المناهج دون تفكيك شروطها المرجعية، يتم في الوقت نفسه استيراد تصور معين عن الإنسان والمعرفة والوجود، وهو ما ينعكس مباشرة على طريقة قراءة النص وفهمه.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة بناء العلاقة مع هذه المناهج على أساس التمييز بين الاستفادة العلمية من مكتسبات الفكر الإنساني، وبين إعادة إنتاج التبعية المعرفية داخل خطاب يبدو في ظاهره نقديا، لكنه في عمقه يعيد إنتاج مركزية مرجعية خارجية.

[1]  وهو ما سبق وتناولناه في المقالين السابقين

[2]  مراجعة لعقلانية التنوير، عبور الحداثة الكلاسيكية، الحقائق المؤقتة، البعد الروحي للتراث، حوار مع أحمد اركون، هشام صالح، مجلة كتابات معاصرة، سنة 1997، ص: 116.

[3]  نموذج محمد أركون ونصر حامد أب زيد ومحمد شحرور…. في كتاباتهم.

[4]  يمكن العودة لكل من كتاب الإسلام والغرب وحوار المستقبل، محمد محفوظ،، ط: 1، 1998، ص: 200.، وكتاب الأخطاء التاريخية والمنهجية في مؤلفات محمد اركون ومحمد عابد الجابري، دراسة تحليلية نقدية هادفة،د: خالد كبير علال، ص: 336.

[5]  الفكر الإسلامي، قراءة علمية، محمد أركون، ص: 246.

[6]  الأخطاء التاريخية والمنهجية في مؤلفات محمد اركون ومحمد عابد الجابري، دراسة تحليلية نقدية هادفة،د: خالد كبير علال، ص: 55.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى