أنشطة رئيس الحركةالرئيسية-قضايا و آراءمدارات فكرية

د. أوس رمّال يكتب: “مجتمع المخاطر”  لماذا أصبح الخوف سمةَ العصر؟

محاولة في فهم القلق المعاصر بين التقدم التقني وهشاشة الإنسان

لقد عاش الإنسان على امتداد التاريخ؛ في مواجهة أنواع متعددة من المخاطر. فخاف من الجوع ومن الأوبئة والحروب ومن الكوارث الطبيعية، وسعى باستمرار إلى تطوير معارفه وأدواته من أجل حماية نفسه وتحسين شروط حياته. وكان يُفترض –منطقياً- أن يؤدي التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي عرفته البشرية خلال القرنين الأخيرين إلى تقليص مساحة القلق والخوف وتوسيع دائرة الطمأنينة.

غير أن المفارقة اللافتة هي أن الإنسان المعاصر؛ رغم كل ما حقّقه من إنجازات؛ يبدو أكثر قلقًا من أي وقت مضى. فالعالَم الذي يزعم أنّه استطاع أن يطيل متوسط العمر، وأن يرسل الإنسان إلى الفضاء، وأن يربط القارات بشبكات اتصال فورية؛ هو نفسه العالَمُ الذي يعيش هواجسَ متزايدةً بشأن المستقبل، ويَشعُر أفرادُه بقدر كبير من اللاّيقين والقلق.

فما الذي حدث؟

لقد لاحظ عالِم الاجتماع الألماني أولريش بيك (Ulrich Beck) في كتابه “مجتمع المخاطر العالمي”، الذي ترجمه علاء عبد الحميد، ونشره المركز القومي للترجمة؛ أن المجتمعات الحديثةَ لم تعد تواجه فقط المخاطر التقليدية التي عرفتها البشرية عبر تاريخها؛ بل أصبحت تواجه نوعًا جديدًا من المخاطر ناتجًا عن نجاحها ذاته[1].

فالتقدم العلمي الذي وفّر الطاقة النووية؛ أوجد أيضًا خطر الحوادث النووية.

والثورة الصناعية التي رفعت مستويات الإنتاج؛ ساهمت في ظهور أزمات بيئية عالمية.

والتطور الرقمي الذي قرّب المسافات؛ أوجد في المقابل مخاطر جديدةً تتعلق بالبيانات والخصوصية والأمن السيبراني.

وهكذا أصبحت المخاطر تنشأ مِن داخل المنظومات التي صنعها الإنسان بنفسه.

وقد كشفت جائحة كورونا، على سبيل المثال؛ هشاشةَ العالَم المعاصر رغم ما يمتلكه من إمكانات علمية هائلة. كما أظهرت الأزماتُ الاقتصاديةُ المتلاحقة، والحروب الإقليمية، والاختراقات الرقمية؛ أن المواصلات والترابط العالمي الذي أحدثته، والذي يُنظر إليه باعتباره مصدر قوة؛ يمكن أن يتحول أيضًا إلى مصدر هشاشة، حيث تنتقل الأزمات بسرعة غيرِ مسبوقة من مكان إلى آخر.

وفي السياق العربي والإسلامي، يزداد هذا الشعور بالخوف تعقيدًا بسبب تداخل المخاطر العالمية مع التحديات المحلّية المرتبطة بالتنمية والتعليم والبطالة والتحولات الاجتماعية. ولذلك يشعر كثير من الناس أنهم يعيشون في عالم سريع التغيّر؛ تتراجع فيه القدرة على التنبّؤ بالمستقبل، وتزداد فيه صعوبة الإمساك باليقين.

ولئن كانت المخاطر دائمًا جزءًا من الحياة الإنسانية، فإنّ المشكلة تكمن أيضًا في الطريقة التي نتلقّى بها الأخبار. فوسائل الإعلام والمنصاتُ الرقمية تنقل إلينا -على مدار الساعة- صور الحروب والكوارث والأزمات والانهيارات؛ حتى أصبح الإنسان يعيش يوميًا تحت ضغط سيل متواصل من الأخبار السلبية. وفي كثير من الأحيان؛ لا يكون مصدرُ القلق هو الخطر المباشر، بل الإحساس الدائم بأن الخطر حاضر في كل مكان وزمان.

ولهذا السبب؛ يمتدّ أثر المخاطر المعاصرة على الاقتصاد أو السياسة أو البيئة؛ يمتدّ إلى الصحة النفسية وإلى منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية. فحين يسود الشعور بعدم اليقين، تتراجع الثقة، ويزداد الانكفاء على الذات، ويصبح الخوف عنصرًا مؤثرًا في كثير من القرارات الفردية والجماعية.

وفي مواجهة هذا الواقع، يقدّم التصور الإسلامي رؤيته المتوازنةَ التي تجمع بين الوعي بالمخاطر وعدم الاستسلام لها. إذ لا يدعو الإنسان إلى تجاهل الأخطار، ولا إلى العيش في أوهام الطمأنينة الكاذبة؛ وإنما يدعوه إلى الأخذ بالأسباب مع حسن التوكل على الله تعالى. يقول سبحانه: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71]، ويقول أيضًا: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

وهذا التوازن بين الحذر والثقة، وبين التخطيط والتوكّل، هو ما يحتاجه الإنسان المعاصر؛ فلا يُنكر المخاطر أو يقلّل من شأنها؛ وإنما يبني القدرةَ على إدارتها دون أن تتحول إلى مصدر دائم للشلل والخوف والإعاقة.

وقد نبّه عدد من المفكرين المعاصرين ومن بينهم إدغار موران (Edgar Morin) في كتابه: “إلى أين يسير العالم؟”، الذي ترجه أحمد العلمي، والمنشور عند أفريقيا الشرق؛ إلى أن المجتمعات التي تنجح في مواجهة الأزمات ليست تلك التي تخلو من المخاطر؛ وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات قويةً، ورؤيةً واضحة، وثقافةً مجتمعيةً تساعد على التكيّف والصمود [2].

وفي الأخير، يبقى السؤال الحقيقي هو: كيف نعيش في عالم تزداد فيه المخاطر دون أن نفقد قدرتنا على العمل والأمل والبناء؟

وهنا يكمن التحدي الأكبر لعصرنا، كما تكمن في الوقت نفسه فرصةُ الإنسان لاستعادة المعنى والثقة والطمأنينة.

 

 [1] أولريش بيك، *مجتمع المخاطر العالمي*، ترجمة علاء عبد الحميد، المركز القومي للترجمة.

[2] إدغار موران، *إلى أين يسير العالم؟*، ترجمة أحمد العلمي، أفريقيا الشرق.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى