دراسة: اللغة العربية في إفريقيا ركيزة أساسية للقارة تتجاوز التواصل إلى الهوية الحضارية

صدرت ضمن العدد الخامس والثالثين من “مجلة الدراسات الأفريقية وحوض النيل” لشهر يونيو 2026، دراسة علمية متخصصة تبحث في الجذور التاريخية والأبعاد المتعددة للغة العربية في القارة السمراء، مؤكدة أنها تتجاوز كونها أداة للتواصل لتشكل ركيزة أساسية للهوية الروحية والحضارية لشعوب المنطقة.
وأوضحت الدراسة- التي أعدها الباحثان مختار بوَبكر ومحمد احدوش- أن الحضور العربي في أفريقيا ضارب في القدم، حيث ارتبط بالرحلات التجارية قبل الإسلام ثم تعزز بالفتح الإسلامي الذي جعل من العربية لسان الدين والإدارة والثقافة، مما منحها أصالة وعمقا تاريخيا استثنائيا.
وأبرزت أن البعد الروحي يمثل المحرك الأساسي لتعلق الأفارقة باللغة العربية، باعتبارها لغة الوحي والقرآن الكريم التي لا يستقيم تعلم العقيدة والعبادة إلا بها، مما جعلها “لغة القلب” قبل أن تكون لغة لسان.
وأشار الباحثان إلى الدور التاريخي للزوايا والطرق الصوفية، مثل التجانية والقادرية في نشر اللسان العربي بشكل طوعي وجماعي عبر الأوراد والأذكار، وهو ما ساهم في صياغة وجدان أفريقي متصل بالأمة الإسلامية، وجعل الحرف العربي رمزا عقديا يتجاوز الانتماءات العرقية ليوحد ملايين المصلين في قارة تتسم بتعددية لسانية هائلة.
وعلى المستوى الحضاري، رصدت الدراسة تحولا جوهريا أحدثته اللغة العربية بنقل الثقافات الأفريقية من المشافهة إلى التدوين والكتابة، حيث تم استخدام الحرف العربي لكتابة لغات محلية كالسواحلية والهوسا والولوفية فيما يعرف بـ “العجمي”.
وأكدت الأبحاث أن مصطلح “الحضارة” في العديد من اللغات الأفريقية مشتق من العروبة، مما يعكس الارتباط الذهني الوثيق بين العربية والتحضر، لتصبح العربية قناة للانفتاح على التاريخ العريق للقارة ووسيلة لربط شعوبها بالعالم العربي والإسلامي عبر جسور معرفية وأدبية صمدت طويلا أمام محاولات الطمس الاستعماري.
وخلصت الدراسة المنشورة في المجلة الصادرة عن “المركز الديمقراطي العربي” ببرلين، إلى أن اللغة العربية تواجه اليوم تحديات حضارية تفرضها هيمنة اللغات الأجنبية الوافدة كالفرنسية والإنجليزية، مما يستوجب إرادة قوية من القادة والعلماء لتعزيز مكانتها العلمية والإعلامية.
وشددت التوصيات على ضرورة ربط الأجيال الصاعدة ببيئة تعليمية تثمن الإرث العربي كجسر متين لضمان الاستقرار والانتماء الحضاري، معتبرة أن إحياء اللغة العربية في أفريقيا هو إحياء لمنظومة قيم كونية تضمن للقارة استقلالها الثقافي في ظل التحولات الدولية الراهنة.





