بين يدي الجمع العام السابع للحركة (2)

2 – ملاحظات تستحق التمكين

تحدثنا في الجزء الأول من هذا العرض، عن بعض مساهمات الحركة في مسار تجربة العمل الإسلامي بالمغرب. تجلية لبعض إنجازاتها المعتبرة، وإبرازًا لأهم إيجابياتها التي تستوجب التثمين وجميل التقدير.

وفي هذا الجزء، سنحاول بسط جانب من الملاحظات، التي نراها تحتاج إلى تعميق نظر، وتوسيع مجال التفاكر والتحاور حولها..

وسنكتفي بثلاث ملاحظات رئيسية:

      أ- تجربة الوحدة: مسار لم يكتمل

من الإنجازات الكبرى للحركة، كونها حصيلة عمل وحدوي من الروعة بمكان. صرفت في سبيل تحقيقه جهود مقدرة، وإمكانات معتبرة وتضحيات محترمة. استوعبت جيلا أو أكثر، بدءًا من مقدماتها الممهدة، إلى أن استوى البناء وحصل المقصود. بتجميع عدة فصائل عاملة قائمة، في تنظيم موحد شكلا ومضمونا، عقلا وروحا، ظاهرا وباطنا، قولا وفعلا.. توحدت على أرضية تفعيل المشترك وتأجيل المختلف فيه، وعلى التعاون في المتفق عليه وتوسيع مجاله وبؤرة تأثيره.

لكن هذا الإنجاز الكبير والنقلة النوعية، لم يتم استثمارها على الوجه الذي تستحق، وبالطريقة التي تناسب روعتها وضخامتها.

لم يتم تطوير النقاش المؤدي للوحدة، والحوار الذي كان بين أطرافها، إلى مشروع علمي تستفيد منه الأمة، في لَمِّ شملها وتجاوز تناقضاتها وحل خلافاتها. خاصة فصائل الحركة الإسلامية على مستوى الوطن والأمة.

مشروع علمي على شكل مدونة فقهية أو نشرة علمية أو سيرة ذاتية.. أو رؤية مقترحة لفقه الوحدة، بقواعد حاكمة وفوائد ناظمة..

مشروع تُستجمع فيه، معطيات عن عملية الوحدة وأفكارها، وتوثيق لمراحلها ومحطاتها، وبيان لمعيقاتها وصعوباتها، وتوضيح لأسرارها وكراماتها. وإتحاف لأجيال الشباب بنماذج من المراجعات والإجتهادات التي تمت فيها، وما واكب ذلك من تضحيات وبذل وسخاء، والأهم هو حفظ هذا التراث الناذر من الضياع والنسيان، كما هو حاصل الآن.

فالحركة بكل إمكاناتها تعاونت، وتظافرت جهودها وتكاثفت، لتحقيق هذا الإنجاز. لكنها لم تستطع إبرازه في ساحة العمل الإسلامي، بالشكل الذي يليق به، وإخراجه للعاملين في حلة تواكب المجهود الذي صرف من أجله. رغم أنها تزخر بمؤهلات معرفية وبشرية، قادرة على تقريب هذه التجربة لأهل الدعوة من أمتنا، وتحويلها من عمل وحدوي إلى نظرية معرفية، في فقه التوحيد والتجميع وترصيص الصفوف. تضم في ثناياها قواعد الترغيب والتقريب، وأسس البناء والتشييد، ومهارات التصويب والترشيد..

إن هذه المهمة العلمية، التي تجمع في طياتها حصيلة معرفية وحقائق ميدانية، لتعد خطوة مكملة لما سبقها من خطوات، ولبنة تعزز أسباب النهوض والانطلاق لأمتنا، وخبرة عملية تؤهل لمزيد من الإنجازات.

       ب- أرشيف الحركة: غياب العناية المطلوبة

من القضايا المنسية في تفكير وتخطيط أهل الشأن في الحركة، هو عدم اهتمامهم بأرشيف تجربة العمل الإسلامي بالمغرب، سواء الموثق إعلاميا أو المكتوب ورقيا. فلم تكلف نفسها عناء نفض الغبار عن وثائقه وملفاته، والإعتناء به بحثا في أشرطته وتسجيلاته، ونظرا في كتبه ومنشوراته، وتنقيبا في إنتاجاته السمعية والمرئية والمكتوبة، ومتابعة لسيرة القادة والمؤسسين، ولمسارهم في إدارة شؤون التنظيم وترتيب أعماله..

فالأرشيف عموما، يمثل جزءًا من الذاكرة الجماعية لكل تنظيم، يحمل في ثناياه مبادئه وأفكاره وقناعاته. فهو جزء من التجربة وطرف في معادلة التنظيم، بخصائصه الثقافية وأبعاده الإجتماعية.

إنه خزان لمعطيات تاريخية موثقة، وموقع لمستندات وملفات محفظة.. فهو بذلك من أهم المصادر المادية لكتابة تاريخ الحركة الإسلامية، لما يتميز به من دقة في المعلومات التي تحتويها التقارير والتسجيلات والوثائق، بمختلف أشكالها وأنواعها.

فنستطيع من خلال هذا الأرشيف، أن نرصد تجربة الحركة منذ بداياتها الأولى، مرورًا بأهم المنعطفات والمحطات التي عرفتها، وما صاحب ذلك من حوار وتواصل معرفي، وما تخلله من معارك وصدام ثقافي ومعاناة نفسية واجتماعية..

ومن خلال عملية الرصد هذه، سنكتشف أنماط التفكير وأشكاله، وأساليب التعبير وتقنياته، وعناصر الاجتماع الحركي ومقوماته، ومولدات النشاط الدعوي ومحفزاته.

كما يكتسي هذا الأرشيف أهمية بالغة، فباعتباره أداة حفظ لتراث الحركة الفكري والثقافي والتنظيمي، فهو ركيزة تقييم لأبرز محطاته ومراحله، ووسيلة إثبات وتأكيد لأهم حقائقه وأحداثه. لكونه يؤرخ بموضوعية لوقائع ماضية، ويحدد الفاعلين فيها والمؤثرين في مسارها..

       ج- المجلس التربوي الشبابي: فضاء لتخريج جيل “سبيل الفلاح”

ورثت الحركة -كغيرها من الجماعات الإسلامية- “المجلس التربوي”، كإطار تربوي ومرجع دعوي من عهد رسول الله (ص)، وقامت بإحياء معالمه وتجديد مضامينه، حسب تجربتها وممارستها داخل المجتمع الذي تشتغل فيه.

واحتل هذا المجلس منزلة رفيعة في اهتمامات الحركة، وخصصت له رُؤى مُوجِّهة وأوراق ضابطة، وأطر متخصصة ودورات مُحكمة..

لكن وسط كثرة المهام، ومع ضغط المسؤوليات والانتشار المتزايد للأعمال والأنشطة، بدأ هذا المجلس يَفقد رونقه، فأذهب عنه التركيز المطلوب والتأثير المتوقع.

لذلك صار من اللازم، تجديد العهد بهذا الإرث النبوي، وتخصيص فئة الشباب بنصيب وافر من المجالس، تبذل لها أحسن الوسائل، وينتقى إليها خيرة الأطر، وتمنح من الإمكانات ما يؤهلها للقيام بوظائف التربية والتكوين والدعوة، وفق منهج منظومة “سبيل الفلاح”.

مجلس خاص بالشباب، يحتضن معاناتهم ويخففها، ويَتفهم أحاسيسهم ويوجهها، ويتفاعل مع أفكارهم ويقويها، ويَسعد بحريتهم ويُمتنها.. ويفتح لهم آفاق القيم النبيلة، ويحاججهم بالسلوك والمواقف الأصيلة، ويدفعهم نحو المستقبل بكل ثقة وقوة وأناة. سلاحهم إيمان راسخ ورسالة واضحة.

فالشباب هم منبع حل كل مشكلاتنا المعاصرة، إذا تفَقَّهت عقولهم وصلحت أخلاقهم. والمعركة القائمة الآن، هي من يستطيع إقناع الشباب بفكرته ومشروعه، ويواكبهم في حياتهم بالتوجيه والترشيد. ليكسب مستقبل الأجيال القادمة.

ونعتقد أن تشجيع الشباب على الانخراط الواعي في هذه المجالس، وتوطينهم فيها بمختلف المحفزات، خطوة أساسية في اتجاه التمكين للمشروع الإصلاحي للحركة. وفي تهيئة المجال لجيل جديد من القادة، خريجي منظومة سبيل الفلاح..

عبدالهادي باباخويا

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى