مقالات رأي

العمل السياسي في ضوء المصلحة والمفسدة الشرعية – عبد الحق لمهى

يُعدّ العمل السياسي من أهم المجالات التي يقوم عليها بناء المجتمعات وتنظيم شؤونها، إذ لا يمكن لأي دولة أن تستقيم أو تحقق الاستقرار دون وجود نظام سياسي يحدد القوانين وينظم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات. فالسياسة ليست مجرد ممارسة للسلطة، بل هي وسيلة لتدبير الشأن العام، واتخاذ القرارات التي تمس حياة الناس في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والأمنية. ومن هنا تتجلى أهميتها باعتبارها أداة أساسية لتحقيق النظام والاستقرار وضمان استمرار تطور المجتمعات.

وقد أولى الفكر الإسلامي عناية كبيرة لموضوع السياسة باعتبارها مرتبطة بمقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم العمل السياسي في المنظور الشرعي يقوم على مبدأ دقيق وهو “المصلحة والمفسدة”، أي أن كل تصرف أو قرار سياسي يُنظر إليه من زاوية ما يحققه من منفعة عامة أو ما يسببه من ضرر على المجتمع. فالمصلحة الشرعية هي ما يحقق حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والمال، والعقل، والنسل، وهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان الكريمة.

وتتجلى المصلحة السياسية في عدة صور، من أبرزها سنّ القوانين التي تحمي الأرواح وتنظم حياة الناس، مثل قوانين السير التي تحد من الحوادث وتحفظ سلامة المواطنين، أو القوانين التي تجرّم الفساد المالي والإداري حفاظا على المال العام. كما تظهر المصلحة في توفير خدمات أساسية كالتعليم والصحة، باعتبارها وسائل لبناء الإنسان وتنمية المجتمع. كذلك فإن تنظيم الانتخابات وإشراك المواطنين في اختيار ممثليهم يُعدّ من صور تحقيق العدل السياسي وتعزيز المشاركة المجتمعية.

ومن جهة أخرى، فإن السياسة الرشيدة تسعى إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة من خلال إنشاء مؤسسات رقابية مستقلة، وضمان شفافية التدبير، وتكافؤ الفرص بين المواطنين. فكل هذه الإجراءات تسهم في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتقوية الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو ما يُعدّ من أهم المصالح العامة التي تسعى إليها الشريعة.

غير أن المجال السياسي، رغم أهميته، يبقى مجالا بشريا قابلا للانحراف مما يؤدي إلى ظهور بعض المفاسد. ومن أبرز هذه المفاسد الصراع على السلطة، فقد تتحول السياسة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة للتنافس غير المشروع على الحكم. كما يمكن أن يظهر الفساد الإداري والمالي من خلال الرشوة واستغلال النفوذ وتقديم المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة. إضافة إلى ذلك، قد يُستعمل الإعلام أو الخطاب السياسي لتوجيه الرأي العام بشكل غير نزيه مما يؤدي إلى تضليل المواطنين وإضعاف وعيهم السياسي.

وقد يترتب عن هذه الممارسات اختلال في العدالة الاجتماعية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وظهور الفوارق الاجتماعية، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة التي تقوم على العدل ورفع الظلم وتحقيق المصلحة العامة.

وانطلاقا من هذا التداخل بين المصلحة والمفسدة، فإن السياسة في التصور الشرعي تقوم على مبدأ الموازنة والترجيح، أي تقديم المصلحة الكبرى ودفع المفسدة الأعظم. فقد تتخذ بعض القرارات السياسية رغم صعوبتها، إذا كانت تهدف إلى حماية استقرار الدولة أو تحقيق مصلحة مستقبلية أوسع. فمثلًا، قد يتم إصلاح اقتصادي تدريجي رغم آثاره المؤقتة من أجل ضمان استقرار طويل الأمد. وهنا يظهر دور الحكمة السياسية في إدارة شؤون الدولة وفق رؤية شاملة توازن بين الحاضر والمستقبل.

كما أن نجاح العمل السياسي لا يتحقق إلا بوجود مجموعة من الضوابط أهمها العدل، والشفافية، والمحاسبة، واحترام القوانين، إضافة إلى وعي المواطنين بدورهم في مراقبة الشأن العام والمشاركة فيه. فالمجتمع الواعي يشكل عنصرا أساسيا في الحد من الفساد وتعزيز المصلحة العامة.

وخلاصة القول، إن العمل السياسي في ضوء الشريعة الإسلامية يُعدّ وسيلة ضرورية لتحقيق مصالح العباد وحفظ مقاصد الشرع، غير أنه مجال حساس يتأثر بطبيعة الإنسان وما قد يعتريه من ضعف أو انحراف. لذلك فإن نجاحه يتطلب تحقيق التوازن الدقيق بين المصلحة والمفسدة، وتغليب ما يخدم الصالح العام، مع تعزيز مبادئ العدل والشفافية والمساءلة حتى يصبح العمل السياسي أداة للبناء والإصلاح لا وسيلة للفساد والهيمنة.

أخبار / مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى