الإصلاح والمنطق السنني للتغيير – مصعب شرعي

يقول الله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، وهي آية لا تحيل على تحول سياسي فوري بقدر ما تحيل على سيرورة طويلة من بناء الوعي، وإعادة ترتيب القيم، وتغيير أنماط الفعل الفردي والجماعي. وهي شروط لا يمكن اختزالها في دورة انتخابية، ولا في حصيلة حكومية، ولا في لحظة وصول إلى السلطة، لأنها تتعلق بتكوين الإنسان قبل تمكين السلطان.
ومن هنا، فإن الاستضعاف لا يعد خللا في المشروع الإصلاحي، ولا دليلا على بطلانه، بل يمثل في كثير من الأحيان طورا بنائيا لازما في مسار التمكين. فالقرآن يقرر بوضوح أن الاستضعاف يسبق التمكين، ويشكل شرطه الأخلاقي والتربوي، كما في قوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾. كما يربط دخول مراحل النصر والتمكين بمرور حتمي بلحظات شدة وابتلاء، كما في قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا﴾.
وعليه، فإن قراءة التراجع المرحلي باعتباره فشلا نهائيا، أو دليلا على خطأ الخيار الإصلاحي، تعكس جهلا بطبيعة السنن القرآنية، واستعجالا لا ينسجم مع منطق التغيير العميق. فالإصلاح، في الرؤية الإسلامية، لا يتحرك داخل وهم الاستقرار، وإنما يشتغل ضمن منطق التدافع. فالقرآن يقرر أن الفساد قدر تاريخي ملازم لغياب التدافع، وأن الصراع بين القوى والمشاريع هو شرط حفظ التوازن في المجتمعات، كما في قوله تعالى: ﴿ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾.
غير أن التدافع هنا لا يعني الغلبة الدائمة، ولا الانتصار المستمر، بل يعني الاحتكاك، والخسارة، والتراجع، وإعادة التموضع، واختبار القدرة على الصبر والثبات. ولذلك، فإن السلامة المطلقة ليست دائما علامة نجاح، كما أن الكلفة ليست بالضرورة علامة فشل، بل كثيرا ما تكون شرطا من شروط الاستمرار داخل معركة طويلة النفس.
وفي السياق نفسه، لا يعمل مبدأ التداول في القرآن بوصفه تعاقبا محايدا على السلطة، بل بوصفه سنة لتمحيص الصفوف، وكشف النيات، ومنع تمركز القوة في يد فئة واحدة. يقول الله تعالى: ﴿وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾. فالتداول لا يختبر فقط صدق الخصوم، بل يختبر أيضا صدق الحلفاء، ويكشف مواطن الضعف داخل المشروع الإصلاحي نفسه، سواء على مستوى القيادة أو الخطاب أو تقدير الواقع.
فبعض المشاريع لا تسقط فقط تحت ضغط الخصوم، بل أحيانا تحت وطأة أوهامها عن نفسها، أو بسبب انفصالها التدريجي عن منطق البناء العميق لصالح إغراءات الحسم السريع. ومن ثم، فإن بعض لحظات التراجع لا تكون دائما خسارة صافية، بل قد تمثل حماية للمشروع من الذوبان في منطق الغلبة، أو من الانزلاق في تبرير التنازلات باسم الواقعية.
وهنا تحديدا يحتل مفهوم الابتلاء، مقرونا بمفهوم التمحيص، موقعا مركزيا في فهم مسارات الإصلاح. فالابتلاء في التصور القرآني ليس دائما عقوبة، ولا يفهم بالضرورة بوصفه فشلا، بل قد يكون أداة للفرز الداخلي، وتصحيح المسار، وإعادة التوازن.
يقول الله تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾، ويقول أيضا: ﴿ما كان الله ليذر المومنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾. فالتمحيص هنا لا يستهدف الخصوم فقط، بل يستهدف الصف الإصلاحي نفسه، ويفضح التناقضات، ويسقط الأوهام، ويعيد ترتيب الأولويات. ولذلك، فإن بعض الانكسارات قد تكون أقرب إلى لحظات تصحيح قاسية منها إلى نهايات مغلقة.
غير أن هذا الفهم السنني للإصلاح لا يعني تعطيل المحاسبة، ولا تبرير الأخطاء، ولا تحويل الفشل التدبيري إلى قدر محتوم. فالقرآن، وهو يؤكد السنن، لا يلغي المسؤولية، بل يربط الابتلاء بحسن العمل لا بكثرته، كما في قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. ومن ثم، فإن النقد والمراجعة والمساءلة تظل جزءا من منطق الإصلاح نفسه، لا حكما بإعدامه.
كما أن اعتبار المآلات يظل ضابطا شرعيا مركزيا، يمنع من التضحية بالمصالح الكبرى في سبيل مكاسب ظرفية، أو من هدم المعنى في سبيل صورة سريعة. وضمن هذا الفهم، لا يعود الإصلاح في المرجعية الإسلامية مرتبطا فقط بالوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، بل بسلامة الاتجاه، وبالقدرة على تحقيق قدر من المصالح ودفع قدر من المفاسد ضمن شروط واقعية محددة.
وقد عبر فقهاء السياسة الشرعية عن هذا المعنى من خلال مفاهيم الموازنة، واعتبار المآلات، وفقه الممكن، وهي مفاهيم تجعل الفعل السياسي فعلا اجتهاديا محكوما بالتقدير النسبي، لا بالأحكام النهائية. وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنطق بقوله: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم»، وهو توجيه يؤسس لفقه الاستطاعة لا لفقه المثالية المجردة.
ومن أخطر ما أصاب النقاش الإصلاحي المعاصر الانتقال من فقه العمل إلى فقه النتيجة، ومن تقييم المسار إلى محاكمة الحصيلة بمعزل عن السياق والسنن. فحين يصبح معيار الإصلاح هو النجاح الظرفي، يتحول الفعل السياسي إلى مقامرة، ويطلب من المشروع الإصلاحي ما لا تطلبه السنن ولا يسمح به الواقع.
إن أخطر ما يهدد الوعي الإصلاحي ليس التعثر في ذاته، بل التحول من فقه البناء التاريخي إلى استعجال الحسم السياسي، ومن منطق التراكم إلى وهم القفز على شروط التغيير. فالمشاريع الإصلاحية لا تموت فقط بالقمع، بل قد تتآكل أيضا حين تنفصل عن الوعي السنني بالتغيير، أو حين تحاكم نفسها بمنطق النتيجة العاجلة لا بمنطق البناء العميق.
أما حين يستعاد الفهم القرآني السنني للتغيير، فإن التدرج، والصبر، وتحمل الكلفة، والاشتغال داخل الممكن، تصبح عناصر قوة لا علامات ضعف، وشروط استمرار لا مبررات تراجع. ولذلك، لا يمكن اعتبار الإصلاح من الداخل خروجا عن المرجعية الإسلامية، ولا مساومة على مقتضياتها، بل هو في أحد أبعاده ترجمة سياسية لفهم قرآني سنني للتغيير، يدرك أن البناء أبطأ من الهدم، وأن إصلاح الدولة والمجتمع لا يتم بالقفز على الشروط، ولا بتعليق الفعل إلى حين اكتمالها، بل بالاشتغال المتواصل داخل واقع ناقص، وبوعي أن طريق التغيير ليس معبدا ولا مضمونا، لكنه من أكثر الطرق انسجاما مع سنن الله في التاريخ، وأحفظها للمعنى، وأقلها كلفة، وأعمقها أثرا على المدى البعيد.
إن استعادة الوعي السنني في فهم الإصلاح لا تعني تعطيل النقد ولا تبرير الأخطاء، لكنها تمنع اختزال المشاريع الإصلاحية في لحظة ظرفية، أو محاكمتها بمنطق النتيجة الفورية. فالتغيير، في المنظور القرآني، ليس فعلا ميكانيكيا سريع الحسم، بل مسار تاريخي مركب، تتداخل فيه الاستطاعة بالتدرج، والابتلاء بالبناء، والواقعية بالثبات على المبادئ. ولذلك، فإن أزمة كثير من النقاشات المعاصرة حول الإصلاح لا تكمن فقط في اختلاف التقديرات السياسية، بل في اختلال تصور التغيير نفسه، والانتقال من فقه السنن إلى استعجال النتائج.




