أخبارالرئيسية-المرأة والأسرةثقافة و مجتمعغير مصنف

بنزروالة: ليس بالبساطة أن تفرض على مجتمع بخصوصيته ما وجدته صالحا في بيئات ثقافية مغايرة (حوار)

أكد مصطفى بنزروالة؛ الباحث في علم الاجتماع، ان النقاش الدائر حول الحريات الفردية هو مؤشر إيجابي على حيوية المجتمعات وديناميتها وأن الموضوع لم يرقى بعد إلى النقاش المجتمعي ولازال للأسف حبيس الفضاءات الافتراضية والتواصلية وفي أفضل الأحوال حبيس نقاشات الصالونات.

وأشار بنزروالة في حوار خص به موقع “الإصلاح” أن المشكل الحقيقي في هكذا نقاشات، هو أن الغائب الأكبر عنها هو المجتمع أو مغيب عنها، فالمجتمع المغربي حسب توصيف “بول باسكون” مجتمع مركب، وبالتالي أثناء التعاطي مع قضاياه ينبغي الانتباه إلى هذا الوسم فليس بالبساطة أن تفرض على مجتمع بخصوصيته الثقافية وبنيته الحضارية وإرثه التاريخي، ما وجدت أنه صالح في بيئات ثقافية مغايرة.

أجرى الحوار لموقع “الإصلاح”: ي.ف.

  • قراءتكم حول الجدل الدائر حول الحريات الفردية؟

مما لا شك فيه أن النقاش والتداول حول مواضيع تهم الحياة الاجتماعية للأفراد لا يمكن إلا أن يكون مؤشرا إيجابيا على حيوية هذه المجتمعات وديناميتها. لذلك لنتفق بدءا على أن النقاش حول “الحريات عموما والحريات الفردية على وجه التحديد” يبقى أمرا إيجابيا مرغوبا ومطلوبا، ليس لذاته بل دعما لمجتمع تسود فيه قيم الحرية، والتعاقد والتشارك.

أما تفاعلا مع سؤالكم فيمكن الانطلاق في مقاربة هذا الموضوع من خلال ملاحظات منهجية تمكننا في تقديري من فهم أسلم لم أسميتموه “جدل” الحريات الفردية وأول هذه الملاحظات أن الموضوع لم يرقى بعد إلى مستوى النقاش المجتمعي كما هو متعارف عليه في أدبيات النقاشات العمومية، بمعايير محددة وأساسية على رأسها العمومية والتشاركية والعلمية، فالملاحظة الأولى هو أن هذا النقاش لازال للأسف حبيس الفضاءات الافتراضية والتواصلية، أو مقالات الراي على صفحات وسائل الاعلام والمواقع الإلكترونية، وفي أحسن الأحوال يبقى حبيس نقاشات الصالونات، وهو ما يعيق بناء رؤية شمولية جامعة حول الموضوع تمتح من مدخلات متعددة من بينها المقاربة القانونية والتربوية والسياسية، ويرهنه بقيود المرجعيات والإيديولوجيات ويصبغه لون السياسة عوض تحريره من ربقة التمثلات المسبقة وتحرير القول المجتمعي فيه، أما الملاحظة الثانية فالنقاشات التي تفرضها سياقات مخصوصة غالبا ما تؤول إلى اختلافات مصطنعة، وأقصد هنا أن الجدل اليوم حول الحريات الفردية، مرتبط بأحداث أكثر من ارتباطه بحاجة اجتماعية، وهو صنيعة إعلامية وليس اختيارا مجتمعيا، لذلك فالنقاش هنا والآن سيتحول لامحال إلى “لغط” عوض أن يكون نقاشا هادئا منتجا ومثمرا، لأنه محكوم بسياق ضاغط تستغل فيه القضايا الشخصية كألية للقتل الرمزي والاغتيال المعنوي وتصفية الخلافات.

أما الملاحظة الأخيرة فهي أن هذا النقاش، نقاش مبثور عن سياقه -إذ أنه وكما هو متعاقد عليه في الأدبيات الفلسفية والقانونية والسوسيولوجية- الحرية كل لا يتجزأ، فكيف يمكن أن نفصل الحريات الفردية عن الحريات العمومية، فحرية الرأي والتعبير والتفكير، والحريات السياسية، والتمتع بقيم المواطنة الكاملة والكرامة والعدالة سابقة كل السبق على باقي الحريات وبتحقق الأولى تتحقق الثانية، وإلا سيكون نقاشنا مستلبا، مغتربا، فالمدخل في اعتقادي لنقاش الحريات الفردية هو التمتع أولا بالحد الأدنى من قيم الديمقراطية والعدالة والتعاقد وسيادة المؤسسات، حتى لا يكون النقاش ترفا. فالحرية في عمومها وصل لا فصل.

  • في نظركم ما أثر هذا الموضوع على المجتمع المغربي؟

المشكل الحقيقي في هكذا نقاشات، هو أن الغائب الأكبر عنها هو المجتمع، كباحث ومتابع للموضوع ألمس أن أهم النقاشات المفروض أن ينخرط فيها المجتمع بفاعليه وفعالياته ” الجمعوية المدنية، الدينية، الحقوقية السياسية…” يكون أكبر غائب أو مغيب عنها ويبقى كما سبقت الإشارة رهين نخبة مؤدلجة، فالمجتمع المغربي حسب توصيف “بول باسكون” مجتمع مركب، وبالتالي أثناء التعاطي مع قضاياه ينبغي الانتباه إلى هذا الوسم فليس بالبساطة أن تفرض على مجتمع بخصوصيته الثقافية وبنيته الحضارية وإرثه التاريخي، ما وجدت أنه صالح في بيئات ثقافية مغايرة، هذا لا يعني أني ضد النقاش من أصله أبدا بل على من يفرض نقاشا على الأجندة المجتمعية أن يكون على وعي تام بطبيعة البنية الاجتماعية التي يتحدث عنها.

أما بخصوص الأثر على المجتمع المغربي فأعتقد أن الحديث عليه الأن أمر سابق لأوانه لأن الموضوع يحتاج الكثير من الوقت والنضج والتعبئة لطرحه على التداول الاجتماعي، ويحتاج عملا قاعديا على مستوى مؤسسات التربية والتنشئة الاجتماعية (مدرسة، إعلام،شارع…) حتى لا نسقط في مشكل السير بسرعتين، ونعمق الهوة بين الفئات الاجتماعية، فئة رافضة بشكل مطلق من خلفية ثقافية ودينية، وفئة موافقة بشكل مطلق من خلفية حداثية وحقوقية. لذلك لا نرى خيارا آخر غير التوافق الاجتماعي بعيدا عن المقاربات الإيديولوجية المتسرعة.

  • من خلال رؤيتكم، كيف ترون موضوع الحريات الفردية؟

الحرية أصل، والحرية منتهى. وينبغي التمييز هنا بين الحرية باعتبارها قيمة إنسانية كونية متعالية بانية للإنسان والعمران ناضل عليها الأفراد وقاومت من أجلها الشعوب أقرتها الأديان وأثبتتها الفلسفات والشرائع. وبين الحريات التفكيكية التي خلفها الإرث النظري لفكر ما بعد الحداثة، والتي حولت الإنسان إلى “شيء استعمالي” بتعبير الراحل عبد الوهاب المسيري.

المطلوب اليوم إنضاج هذا النقاش والقطع مع  معيقاته (الأدلجة، والتجزييء، والتسييس) وأن يعود إلى محضنه الاجتماعي الطبيعي وأن يكون نقاشا وطنيا لا مغتربا

لذلك فرأيي في موضوع الحريات الفردية سقته ضمنيا في ما سبق فعندما نتحرر من الظلم والطغيان والاستبداد ونتحرر من قيم البهيمية ونتوجه رأسا نحو قيم الآدمية، عندما نقطع مع التصور الشهواني للحريات الفردية وتصبح الأخيرة جزءا لا يتجزأ من منظومة حريات متكاملة وعندما نعي أن شرط الحرية هو المسؤولية آن ذاك سيصبح نقاش الحريات الفردية نقاشا غير ذي أهمية هذا من جهة، من جهة ثانية المطلوب اليوم إنضاج هذا النقاش والقطع مع  معيقاته ( الأدلجة، والتجزييء، والتسييس) وأن يعود إلى محضنه الاجتماعي الطبيعي وأن يكون نقاشا وطنيا لا مغتربا، ويمكن أن يكون كمدخل لحلحلته هو التمييز بين الحريات الفردية في الفضاءات الخاصة، والحريات في الفضاءات العامة، فالأول خاص وحصري ولا يمكن باي حال التلصص أو التجسس أو اقتحام الحياة الخاصة للأفراد، أما على مستوى الفضاء العام فيؤطره القانون ومن يريد أن يفرض الحريات الفردية بشكل متسرع على الفضاء العام فمعركته قانونية بالدرجة الأولى ومدخلها الإقناع الاجتماعي للمواطنين إذا أردنا التأسيس لتمرين الديمقراطي يحترم إرادة الأفراد .

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار / مقالات ذات صلة

إغلاق