“إعلان فاس للزكاة” يطالب بإدماج المنظومة الزكوية ضمن السياسات المالية الدولية والوطنية

أطلق المشاركون في المؤتمر الدولي الأول للتمويل المستدام بفاس “إعلان فاس للزكاة” تحت شعار “الزكاة والكرامة الإنسانية”، وأكدوا أن الزكاة حقا معلوما للأمة للارتقاء بالمجتمعات وتخفيف المعاناة، بالتزامن مع إصدار حزمة توصيات ختامية استراتيجية دعت إلى ضرورة تفعيل المقاصد الاقتصادية والاجتماعية لفريضة الزكاة، وربطها بغايات التنمية المستدامة الشاملة.
وأوصى الباحثون والمختصون المشاركين بضرورة تحديث آليات عمل مؤسسات الزكاة وتطوير حوكمتها في العالم الإسلامي، وذلك عبر دمج التقنيات الرقمية الحديثة والذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز الشفافية وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة في السياق العالمي المعاصر.
وجاءت هذه الخلاصات في ختام فعاليات المؤتمر العلمي الذي نظّمته كلية الشريعة بفاس التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله، بشراكة مع مختبر العلوم الشرعية والقانونية وقضايا العصر، وشعبة التفسير والحديث وأصول الفقه، بالإضافة إلى ماستر المالية التشاركية والتدقيق الشرعي.
وناقش المشاركون على مدى يومي الأربعاء والخميس الماضيين حزمة من الأوراق البحثية التي وزعت على جلسات علمية متكاملة تدارست الهيكلة المؤسسية للزكاة وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية.
وتوافق الباحثون والخبراء في الجانب المؤسسي والحكومي على مركزية المأسسة عبر الدعوة إلى إنشاء وتطوير هيئات زكوية مركزية في الدول الإسلامية تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، مع تفعيل مؤسسات جمع وتوزيع الزكاة بشكل منظم وشفاف، وتبني معايير محاسبية موحدة ومستندة إلى المعايير الدولية المعتمدة لضمان أقصى درجات الإفصاح وقياس أثر البرامج التنموية.

وحث المؤتمر في شقه التقني على تسريع التحول الرقمي عبر توظيف تقنيات الحوكمة الرقمية، وسلاسل الكتل “البلوكشين”، والبيانات الضخمة، لرفع كفاءة استهداف المستحقين وتوسيع قاعدة الممولين من خلال إحداث منصة رقمية وطنية موحدة لإدارة مؤسسة الزكاة، مما يسهم في تقليص نفقات العاملين عليها وتعظيم حصة المصارف الزكوية المخصصة للفقراء والمحتاجين.
أما على المستوى الفقهي والاجتهادي، فقد نادى المجتمعون بتوسيع الأوعية الزكوية لفتح اجتهاد جماعي يستوعب الأصول المالية الحديثة كالعملات الرقمية والملكية الفكرية والرأسمال المعرفي، مع إعادة تعريف المصارف الفقهية لتطوير اجتهاد معاصر لمصرف “في سبيل الله” لخدمة البنية التحتية الاجتماعية وأهداف التنمية المستدامة، والانتقال برؤية فقه الزكاة من الكفاف إلى الكفاية لضمان حد الكفاية الذي يؤمن حياة كريمة للمستهدفين.
وتضمنت التوصيات على الصعيد الاقتصادي والتنموي الدعوة إلى تفعيل الزكاة الإنتاجية بالتحول من نمط الزكاة الاستهلاكية التقليدية إلى “الزكاة الإنتاجية” عبر تمويل المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر لتحويل الفقراء إلى منتجين، بجانب تفعيل الشراكات الإنمائية والتمويل الإسلامي لتمويل مشاريع البنية التحتية الاجتماعية.
وفي ختام “إعلان فاس للزكاة”، وجّه المشاركون نداءات متعددة شملت دعوة صناع القرار لإدراج منظومة الزكاة ضمن السياسات المالية الكلية، ومناشدة المنظمات الدولية لإدماج الزكاة في أدبيات التنمية العالمية والتمويل الأخلاقي كنموذج فريد لتوزيع الثروة وتحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة.
وحث منظمة التعاون الإسلامي على تعزيز المنتديات العالمية للزكاة لتنسيق السياسات العابرة للحدود، وتشكيل لجنة دائمة للتواصل والتنسيق لتولي مد جسور التعاون وبناء الشراكات الدولية بين المؤسسات العلمية والأكاديمية والفاعلين في الميدان لضمان استدامة هذا الحوار العلمي والتنموي وتحويل مخرجات المؤتمر إلى مبادرات واقعية.

وشهدت الجلسات العلمية نقاشات مستفيضة تناولت تفاصيل فقهية وقانونية معاصرة؛ من بينها الموازنة الفقهية في زكاة الرواتب والمهن الحرة، والتكييف الشرعي لزكاة الأصول الرقمية والعملات المشفرة والصكوك الرقمية، فضلا عن تدارس دور الذكاء الاصطناعي والوساطة الرقمية في تجويد الأداء المؤسسي وصياغة الفتاوى الفقهية المعاصرة المنظمة لأوعية ومصارف الزكاة.
كما ركّز الباحثون في المحاور المرتبطة بالإطار التنظيمي والإداري على رصد كفاءة العاملين في المؤسسات الزكوية وتأثيرها على الأداء المؤسسي، وبحث المسؤولية الجنائية والتدابير الوقائية ضد التهرب الضريبي والزكوي، مستعرضين نماذج وتطبيقات عملية لإدارة أموال الزكاة في عدد من الدول الإسلامية، بجانب إبراز دور لجان الزكاة في التمكين الاقتصادي والمساهمة الفاعلة في برامج الإغاثة الإنسانية وإدارة الأزمات كأداة مالية تضمن الكرامة الإنسانية.
واختتمت التظاهرة العلمية بتأكيد لجان المؤتمر على أهمية صياغة أطر نظامية وقانونية متكاملة لحوكمة صناديق ومؤسسات الزكاة، مع الدعوة إلى تفعيل التحول الرقمي الشامل داخل البنوك التشاركية والمؤسسات المالية الإسلامية لتعزيز المسؤولية الاجتماعية وتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة.





