التسامح خلق الإسلام

إن الشريعة الإسلامية تدعو المسلم لأن يكون متخلِّقاً بالتسامح في تعامله مع الناس، وجميع تصرفاته من بيع وشراء وقضاء، وفي كل أحواله، فإذا تخلَّق بهذا الخلق الكريم؛ يسر الله له أمره، وبارك له في أحواله كلها، وضاعَف له الثواب، وسادت المودة والمحبة بين أفراد المجتمع.

وخلق التسامح شامل ينضوي تحته عدة أخلاق أخرى، ومن أهمها: الرحمة، والرأفة والتعطُّف، والسلام والعدل، والإحسان، والعفو والصفح عن المسيئين، والاعتدال وعدم التَّشدد، ونبذ التَّعصب في صوره الجاهلية كلِّها؛ كالتعصب للجنس، أو اللون، أو اللغة، أو النسب أو غيرها من عَصَبيات الجاهلية.

فهي إذن صفةٌ جميلةٌ، وخلةٌ حميدة، بل أفضل الصفاتِ، وأجمل السماتِ، ورائدة الأخلاق، وسيدة الآدابِ؛ تعني الصفح عمن أخطأَ عليكَ أوْ تجاوز حده معك، وتعني أيضا العفو عند المقدرة والتجاوز عن أخطاء الآخرين واحتمالها ووضع الأعذار لهم، والنظر إلى مزاياهم وحسناتهم بدلا منَ التركيز على عيوبهم وأخطائهم.

ومن أبرز مظاهر التسامح بين الناس: طلاقَةُ الوجه، واستقبال الناس بالبِشر، ومبادرتهم بالتحية والسلام والمصافحة، وحسن المحادثة، وحُسن الصُّحبة والمعاشرة، والتغاضي عن الهفوات والزلات.

ومن أبرز صور التسامح في حياة الناس: التنازل عن الحق، ورفع الحرج عن الناس. فالرجل السَّمْح السَّهْل لا تَطِيبُ نفسُه بأنْ يُحَصِّل حقًّا لم تَطب به نفس الطرف الآخر، فيُؤثر لذلك التنازل عنه، والسماحة به، وإن كان له.

فهوَ صفة من صفات اللهِ تعالى، ولولا عفوهُ – تعالى – عنْ خلقهِ ما تركَ على الأرضِ منْ دابةٍ. كما قالَ سبحانهُ: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾.

وهوَ خلق الأنبياء والمرسلينَ في عفوهمْ عن أقوامهم وهمْ يؤذونهم ويعذبونهم.

وهو من سمات الصالحينَ، ومن صفات المتقين، الذين شرفت نفوسهم وطهرت قلوبهم وعلت عند الله مراتبهم.

وهوَ خلق العظماء والسادة من الناس، وهوَ خلق لا يقوى عليه إلا الرجال حقا.

ومن ذك: التسامح في الحوار، فقد حثت الشريعة الغراء على التسامح في الحوار، ورغبت في التنازل عند الاختلاف، وحذرت من الوقوع في مغبة الجدل.

ومن الأخلاق العظيمة التسامح في إنظار المعسر، أو التجاوز عنه، وفيه أجر عظيم، فالمسلم الحق لا يُلجئ أخاه إلى ما لا يطيق.

ومن السماحة: السماحة في الإجارة، فعلى المسلم أن يكون سمحا في قضاء حق الأجير، فلا يُماطل بالأجير ولا يظلِمه، وليكن سمحا متسامحا في دفع الأُجرة إلى صاحبها من غير ضرر وأذى يلحقه.

والتسامح مطلوب في جميع المعاملات العامة بين الناس، وفي التعامل الاجتماعي مع المسلمين، بالعفوِ عمَّن أساء، وصلة منْ قَطع، وإعطاء من مَنع، قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾.

وقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين السماحة وبين أصل الدِين الإسلامي، إذْ جعلها في العديد من أحاديثه وصفا ملازما؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم قال: “بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ”. فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم رسالة حنيفيَّة أي: مائلة عن الباطل إلى الحق، ورسالة سمحة أي: سهلة يسيرة؛ فكل حياته صلى الله عليه وسلم وتشريعاته وإرشاداته قائمة على اليُسر والسماحة والتخفيف على أمته.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى