شعبان شهر يغفل فيه الناس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين ورحمة الله للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى اله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد،

أيها الإخوة الكرام نحمد اله سبحانه وتعالى أن التأم جمعنا واكتمل لقاءنا ونحمد الله سبحانه وتعالى على نعمة العافية ودوام العافية ونسال الله تعالى أن يجمع لنا بين عافية الدنيا والآخرة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت:”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان وما أتم شهرا صياما غير رمضان”.

وفي حديث آخر عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال:” داك شهر تغفل الناس فيه عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”.

هذا الحديث والذي قبله فيهما فضل الإكثار من الصوم من شهر شعبان، ولكن ليس القصد أن نتحدث عن هذا الفضل وإنما نريد في هذه الكلمة أن نقف مع قوله صلى الله عليه وسلم شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، أن نلتفت إلى هذا التعليم الذي أجاب به عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد لما سأله أراك تصوم من شعبان ما لا تصوم في غيره، إذن سواء كنت صائما أو مفطرا مسلما أو كافرا تفعل الخير أو تفعل الشر فهذه حقيقة غيبية يجب الإخبار عنها في هذا الحديث وهي أن هذا الشهر ترفع فيه الأعمال إلى الله وتعرض عليه، إذن نحن في أيام يقع فيها أمر كبير وعظيم وهو أن أعمال العبد في عامه وسنته تعرض على الله تبارك وتعالى في السماء والنبي صلى الله عليه وسلم أراد حينما يحين وقت عمله في السماء أن يكون صائما في الأرض، إذن الإعمال ترفع وتعرض، على الله سبحانه وتعالى والذين يرفعونها ويعرضونها عليه هم الملائكة، الملائكة المكلفون بكتابة أعمال العباد والذين يعرفون بالكتبة، ملك على يمينك يكتب الحسنات وملك على شمالك يكتب السيئات، وفي النهار ملكان وفي الليل ملكان، فيكون مجموعهم أربعة، يتعاقبون علينا بالليل والنهار كما جاء في الحديث “يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار” فيصعد ملائكة الليل عند الفجر ويصعد ملائكة النهار عند العصر، ويسألهم الله تعالى وهو اعلم كيف تركتم عبادي فيقولون اتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون، أي إن الذين يشهدون مع المؤمنون في صلاة الفجر وإن كانوا مودعين تركوهم وهم يصلون، كم مرة يخطر في بالنا أن معنا ملائكة ليلا ونهارا مهمتهم هي كتابة ما نفعل من خير وشر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يتعاقبون ويتناوبون اثنان بالليل واثنان بالنهار، هذه الكتابة هي التي ترفع يكتبون ثم يرفعون ما كتبوه ويعرضونه على الله سبحانه وتعالى، لهذا وجب أن نتأمل في هذه الحقيقة يذكر ربنا بها في شهر شعبان، وهي رفع الأعمال وعرضها عل الله رب العالمين والظاهر أن هذا العرض فيه ما هو يومي وفيه ما هو أسبوعي وفيه ما هو سنوي وفيه ما يكون عند الموت وفيه ما يكون عند البعث، فالتقرير اليومي وهو الذي يتعاقبون بالليل والنهار وإنما يصعدون لعرض ما كتبوه ودونوه، فهم يرفعون ما تولوا كتابته بالليل أو بالنهار، وأما التقرير الأسبوعي فعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب ان يعرض عملي وأنا صائم”، وأما العرض السنوي فهو الذي تقدم في حديث أسامة بن زيد، وأما العرض عند الموت ففي حديث طويل أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة مع أصحابه فلما انتهوا إلى القبر ولما يلحد جلس رسول الله صلى الله  عليه وسلم مستقبل القبلة وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكث به في الأرض فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر قالها مرتين أو ثلاث، ثم جعل يحدثهم عما يجري على العبد في هذه اللحظة إذا حضرته الوفاة، وخلاصة ذلك أن العبد المؤمن إذا قبض الملك روحه صعدت بها ملائكة الرحمة حتى إذا انتهوا بها إلى السماء السابعة يقول الله عز وجل لهم اكتبوا كتاب عبدي في عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون، فيكتب كتابه في عليين، والكتاب هو ديوان أعماله وسجل ما قدم، وفي الحديث هذا أن العبد الكافر أو قال الفاجر فإنه إذا مات صعدت الملائكة بروحه فلا تفتح له أبواب السماء ويقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى”، وأما العرض الذي يكون بعد البعث وعند الحساب فهو أن الإنسان يؤتى كتابه ويقرأه بنفسه، وهؤلاء الملائكة الذين كانوا يكتبون هذه الأعمال يكونون شهودا في ذلك اليوم وعندما يطلب منهم أن يقدموا ما كلف بهم يقدمون، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة رضي الله عنها من نوقش الحساب عذب، فقالت أليس قال الله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسير، قال : يا عائشة إنما ذلك العرض، ومعنا العرض أن الله تبارك وتعالى يعرض مع العبد أعماله حتى يظن أنه قد هلك فالله بتارك تعالى إذا أراد به خيرا يغفر له، إذن نحن أمام أمر عظيم عرض يومي وأسبوعي وسنوي وعند انتهاء العمر وبعد البعث مما يجعل أمر الإنسان في هذه الدنيا أمرا في غاية الخطورة، ربما لو استصحبنا هذه الحقيقة لتغيرت الكثير من أمورنا ولتعاملنا بمنتهى الجدية في حياتنا وليس بالشكل التي تسير به حاليا.

استمع للدرس: فضل شعبان للدكتور محمد عز الدين توفيق

وعندما نتذكر هذه الأطراف الثلاثة الملائكة يكتبون ويعرضون والله سبحانه وتعالى يتلقى منهم وهو أعلم بعباده هذا العرض والمعني بذلك الإنسان، والله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه أنه الحي القيوم الذي لا تاخذه سنة ولا نوم، وقال عز وجل كل يوم هو في شأن، وفي بعض الأحاديث إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قل الليل حجابه النور لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، لو يذكر الإنسان هذه الحقيقة يعلم أن الأمر يدور على شيء اسمه الأعمال الأمر يدور على أمور يملئون بها الفراغ وساعات الليل والنهار، حتى لو أراد أحدنا أن يسمي الإنسان بعد موته فهو أعمال مجموعة يقال في الإنسان في الدنيا أيام مجموعة فبعد رحيله تتحول الأيام إلى أعمال، إن رفع الأعمال وعرضها يقرب إلينا أمرا يجري في الملأ الأعلى نحن عنه غافلون أمرا يجري في السماء تقارير ترفع وأحكام تصدر وملائكة متفرغون لا يأكلون ولا ينامون ينتظرون ما يفعله العبد ليكتبوه بتفصيل وبأمانة حسنات أو سيئات.

وأخيرا الإخوة الكرام ولله المثل الأعلى نحن نعرف في عالمنا عندما يكون شخص محط مراقبة وعندما ترفع عنه التقارير بالتفصيل وأحيانا يجري تصويره وتسجيل صوته وهو لا يعلم فعندما يكون غافل عن هذا كله ثم يجابه به ويفاجئ ليس كما لو كان أخذ استعداده وأخذ انتباهه وكان يعلم أنه تحت الأضواء وتحت المراقبة وهناك من يتبعه ويدون ما يفعل وما يقول ففرق كبير بين سلوك الأول والسلوك الآخر.

إذن أن نعلم هذه الحقيقة ولا نجهلها أن الأعمال تكتب وترفع وتعرض، وثانيا إذا علينا أن نذكر ولا ننسى، ولكن لا يكفي أن نعلم وأن نتذكر ولكن أن نواكبها وكيف نواكبها؟ نواكبها بمثل ما قال سيدنا عمر بن الخطاب حاسبوا أنفسكم قبل أن يكون الحساب إلى ربكم وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وتزينوا للعرض”، وهذا كلام العارفين استحضار هذا العرض اليومي والأسبوعي والسنوي يتوج في النهاية بالعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.

أسأل الله تبارك وتعالى ونحن في شهر شعبان أن تعرض أعمالنا على ربنا ويرضى بها عنا ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك أولوا الألباب.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

الدكتور محمد عز الدين توفيق / سلسلة تبصرة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى