ولقد كرمنا بني آدم

إن خَلْق الإنسان من أعظم مظاهر تكريم الإنسان في الإسلام و للجنس البشري، خَلْقه الله تعالى بيديه، وخلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وكان ذلك بأمر الله – جل في علاه -، وهو يملكها ولا تملكه، وتتقيد بإرادته كيفما شاء، قال تعالى:  “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى”.

لقد جاء التكريم باللفظ العربي الدال على ذلك، مقرونا بلفظ التفضيل على كثير من خلق الله، يقول سبحانه: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”.

ويبرز في الآية ﴿ كَرَّمْنَا ﴾ تضعيفُ كرم؛ أي: جعلنا لهم شرفًا وفضلًا؛ كما يقول القرطبي، وهذا هو كرَمُ نفيِ النقصان، لا كرم المال، وهذه الكرامة يدخل فيها خلقهم على هذه الهيئة في امتداد القامة، وحسن الصورة، وحَمْلهم في البر والبحر، مما لا يصح لحيوانٍ سوى بني آدم أن يكون متحملًا بإرادته وقصده وتدبيره، وتخصيصهم بما خصهم من المطاعم والشراب.

وبين لنا الله تعالى كيفية الخلق، ومراحل تكوين الإنسان، وهو جنين في بطن أمه، فقال – جل وعلا -: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ “.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ خلْقَ أحدكم يُجمَع في بطن أمه أربعين يومًا أو أربعين ليلة، ثم يكون علَقَة مثله، ثم يكون مضغة مثله، ثم يُبعَث إليه الملَك، فيؤذَن بأربع كلمات، فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإنَّ أحدكم لَيعملُ بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعملُ بعمل أهل النار، فيدخل النار، وإن أحدكم ليعملُ بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة، فيدخلها).

ومن مظاهر تكريم الإنسان في الإسلام خَلقيًّا أن الله تعالى خَلَقه في صورة حسنة يتميز بها عن غيره؛ قال تعالى: “هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”.

ومن كرم الله على النفس البشرية أنه أنعم عليها بنعم ظاهرة وباطنة، لا تحصى ولا تُعَد، كما قال تعالى: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ”؛ وذلك ليتمكن الإنسان من أداء الأمانة المكلَّف بها على أفضل وجه وأحسنه.

ومن مظاهر تكريم الإنسان في الإسلام خَلقيًّا أنه اختص فئة من الخلق بالبلاء في السمع، أو البصر، أو شلل يصيبهم في البدن، أو غير ذلك؛ لحكمة لا يعلمها إلا هو – جل في علاه – قال تعالى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، قال السعدي – رحمه الله – في تفسيرها: هذا إخبار من الله بسَعَة علمه، وشمول لطفه، فقال: ﴿ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ﴾ [الملك: 13]؛ أي: كلها سواء لديه، لا يخفى عليه منها خافية، فــ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الملك: 13]؛ أي: بما فيها من النيات والإرادات، فكيف بالأقوال والأفعال التي تُسمَع وتُرى؟!

ثم قال – مستدلا بدليل عقلي على علمه -: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ [الملك: 14]، فمن خلق الخلق وأتقنه وأحسنه، كيف لا يعلمه؟! ﴿ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾، الذي لطف علمه وخبره، حتى أدرك السرائر والضمائر والخبايا، وهو الذي ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾.

أما مظاهر تكريم الإنسان في الإسلام خُلقيا: دعوته له للتمسك بحسن الخلق، وهو الجامع لكل خير، وبين ذلك من لا ينطق عن الهوى بكلمات قليلة، فيها جوامع الخير كله، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (البِر حُسنُ الخُلُق، وَالإِثمُ مَا حاك فِي نَفسك وكرهت أَن يُطَّلَع عَلَيْه).

ومن تكريم الله – تبارك وتعالى – للإنسان خُلقيا أنه خلق الناس جميعا على الفطرة السوية، والحنيفية السمْحة لا تشوبها شائبة؛ قال تعالى: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”.

من هنا كان الإنسان بجنسه مخلوقا مُكرما على سائر الخلائق في الأرض، مستخلَفًا من الله، محفوفًا بالرعاية وتهيئة الحياة له، وإذا كنا نرى عمومَ التكريم كما جاء به اللفظ القرآني، فإنا من خلال نصوص القرآن نرى أن مظاهر هذا التكريم تبدت في مكونات الإنسان ذاته؛ وهي تشمل: الخلق والتسوية، والعقل، والإرادة الحرة، كما تبدت في تهيئة الحياة للإنسان وتيسيرها لأدائه دوره، وفوق كل ذلك كان التكريم بإرسال الرسل لترشيدِ مسيرة الإنسان وتعامله مع هذا الكون.

الإصلاح

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى