تأملات قبيل رمضان

تأملت السياق الزمني لشهر رمضان فوجدته مرتبطا ارتباطا وثيقا برجب و شعبان، وقد أشار إلى ذلك ابن رجب الحنبلي في كتابه: “لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف” فقال: (شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة، قال أبو بكر البلخي : شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر السقي للزرع ورمضان شهر حصاد الزرع.)

منظومة الثلاث أشهر رسالتها أنه لا يمكن الارتقاء في رمضان دون الشروع في الاستعداد المبكر ابتداء من رجب و شعبان.

رجب شهر الله الحرام  فيه قال رب العزة: ” إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيها أنفسكم.” التوبة:36

إن أفضل بذرة في شهر الزرع رجب هي بذرة التوبة والتحرر من المظالم بكل أنواعها.

أما شعبان، فقد شهد حدثا عظيما على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، إنه حدث تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، يحكي أنس رضي الله عنه فيما رواه عن مسلم ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت ” قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام”، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا إن القبلة قد حُوِّلت فمالوا كما هم نحو القبلة).

إن لهذا الحدث دلالات:

– سرعة استجابة الرعيل الأول لأمر الله و رسوله

– ضرورة تعهد النيات وتحرير القصد

فالسياق الزمني لرمضان يستحثنا إذن للمسارعة في التوبة، وللفورية في الاستجابة لأمر الله ورسوله، وكذا لتوجيه بوصلتنا الداخلية لتكون قبلتها الوحيدة: الله سبحانه وتعالى.

 … وتأملت آيات الصيام في سورة البقرة، يقول الله تعالى: ” يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.” البقرة: 186

تحدثنا الآية عن مجموعة من العبادات الشعائرية المتعلقة برمضان منها الصيام، القرآن و الدعاء، لكنها تشير أيضا إلى ثلاثة مقاصد للصيام، وهي : ” لعلكم تتقون” ، “لعلكم تشكرون” و” لعلهم يرشدون”، إن هذه القيم العظيمة : التقوى، الشكر والرشد هي مقاصد الصيام.

التقوى عرفها د٠ أحمد الأبيض صاحب كتاب ” قراءة رسالية في الصوم” تعريفا مميزا قال:

” التقوى هي الوعي الحاد بالعالَم

  – إدراكا لمختلف الإمكانات والمسالك

  – وتقييما لمختلف التحديات و العوائق

  – وسعيا دائما لتحري الحق والصواب بمقتضى قيم التوحيد ومقاصد الشريعة “.

في هذا التعريف تجاوزت التقوى بعدها الفردي الشعائري إلى بعدها الحضاري العالمي، و غدت قيمة فاعلة معيارية يزن بها الفرد أعمالَه واختياراتِه.

أما مقصد الشكر، فهو شكر لله وامتنان له على ما وفق وهدى ويسَّر حسن أداء الطاعات الرمضانية.

والمقصد الثالث هو الرشد، والرشد ضد الغي وهو الهداية وحسن التصرف والاستقامة على الحق.

ما أحوج أمتنا إلى هذا النوع المتقي الشكور والراشد من الناس.

ما أحوجها إلى من صُنِعوا على عين الله في مدرسة رمضان، روَّضهم الصيام وألجم شهواتهم البيولوجية فتعلموا كيف يلزموا أنفسهم الجادة، وكيف يستقيموا على المحجة في أصعب اللحظات وأحلك الظروف.

… وتأملت أحاديث نبوية رمضانية فوجدتها حبلى بالقيم الإيمانية، وأذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

1 – قيمة الاحتساب: التي أكد عليها رسول الله صلى الله عليه و سلم مرات في حديثه عن أبي هريرة قال قال رسول الله: ” من صام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” متفق عليه

 والمقصود بالإيمان: إيمانا بفرضيته ووجوبه

أما الاحتساب فهو ابتغاء وجه الله تعالى، وهو نوع من التحرر من عقلية غدت سائدة في المجتمع مفادها مسايرة الناس وحفظ ماء الوجه في غياب شبه تام لاستحضار المقصود بالطاعة٠ فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، لأنه صيام مبتور عن طلب رضى الخالق، ومقطوع الصلة عن السماء.

2 – قيمة الجود: في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:” كان النبي أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة”

ولنا أن نتأمل العلاقة الإيجابية بين الجود ومدارسة القرآن، وأن نتأمل أيضا لم يزداد جود رسول الله في رمضان؟

3 – الرزانة والتحكم في الذات: عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:” الصيام جنة و إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث و لا يصخب و لا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم “رواه البخاري

الصيام مدعاة للتحكم في الانفعالات ولتجاهل الاستفزازات، ويتجلى أيضا في الحديث البعد الاجتماعي للصيام، يقول د. أحمد الأبيض:( وهذا الحديث يؤكد الارتباط الوثيق بين المعنى الفردي للصوم وبين المعنى الاجتماعي فيه: انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم ” يوم صوم أحدكم” هنا يبدو الفرد في حالة صومه خارجا من فرديته، منطلقا إلى أنواع من الرعاية الاجتماعية لا يكمل الصوم إلا بها، وانظر أيضا إلى قوله :” فليقل إني صائم ” هنا يبدو الالتزام الاجتماعي منبثقا من ضمير الفرد راجعا إليه).

4 –  التقاسم: قال صلى الله عليه و سلم: ” من فطر صائما كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء”رواه الترمذي

هنا يتأكد البعد الاجتماعي  للصيام والحساسية تجاه جوع الجائعين وحاجة المحتاجين.

5 – الاستعلاء عن الشهوة: قال رسول الله في حديث: ” ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، الصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين” رواه الترمذي

قد نتساءل فيم اشترك الثلاثة ليحوزوا شرف قبول واستجابة الدعاء؟

يجيب الدكتور الأبيض عن هذا السؤال:” إن الإمام العادل قد رفض الاستجابة لنداء شهوة السلطة وإغراءات الاستبداد والتأله والاستعلاء على الآخرين، في حين المظلوم قد رفض الاستجابة لدواعي الخضوع والقبول بإلغاء الذات، بينما رفض الصائم الاستجابة لنداءات الغريزة والضرورة.”

وتربط أولئك الثلاثة أيضا خاصية الدعاء، و التطلع للأفضل ورفض التخلف عن الكمال.

وخلاصة كل هذه التأملات في السياق الزمني لرمضان، وفي آيات الصيام، وكذا في الأحاديث النبوية الرمضانية المذكورة هي:

1 – حرصنا في رمضان لا شك  في كل عام ينصب على تنويع ، تكثير وتجويد العبادات الشعائرية، لقد آن الأوان أن نحرص بنفس القدر على تمثل القيم الرمضانية وغرسها في النفوس، ثم الدعوة إليها.

2 – القيم عندنا للأسف لا زالت قيما خاملة مجردة، لطالما افتخرنا بقيم أمتنا في زمنها الجميل، ولطالما عددنا مناقب الإسلام وأشدنا بالقيم الرمضانية، لكن فاعلية هذه القيم شبه غائبة في مسرح الحياة الفردية والجماعية.

وأكاد أجزم أن أولويتنا كأفراد وجماعات هي تفعيل القيم فينا، بمحاولة فهمها وتحرير مفهومها والتدرب على تمثلها التدريجي، ثم الدعوة إليها في المجتمع بعد تملكها.

ولعل الدورة التدريبية الرمضانية على امتداد شهر كامل كفيلة أن تسمو بنا إلى مصاف الوعي والالتزام بكل ما قيل.

خديجة رابعة

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى