أخبارالرئيسية-ثقافة و مجتمع

إحياء أعلام المغرب.. “الدعوة إلى استقلال الفكر في الإسلام” كتاب علمي للعلامة محمد إبراهيم الكتاني

من بين أبرز الكتب التي تم إصدارها مؤخرا لإحياء فكر أعلام المغرب ورموزها كتاب بعنوان “الدعوة إلى استقلال الفكر في الإسلام: من الكتاب وسيرة الرسول العملية وصحابته الكرام” للعلامة المغربي الكبير محمد إبراهيم الكتاني.

والكتاب من إصدار اللجنة المشرفة على نشر تراث العلامة محمد إبراهيم بن أحمد بن جعفر الكتاني وهو عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها العلامة الكتاني بالإذاعة المغربية خلال السنوات الأولى لاستقلال المغرب.

وتم إصدار هذا الكتاب في طبعته الأولى في شهر فبراير 2018 لأهمية ما يتضمنه من نظريات وأفكار شواهد حية عن مكانة الفكر في الإسلام وضرورة إعماله في شتى مناحي الحياة.

كما يعد الكتاب حسب تقديم اللجنة المشرفة على هذا العمل تنظيرا علميا يستمد مادته من التوجيهات القرآنية والمدرسة النبوية بغية التأصيل للاستقلال الفكري وإحيائه باعتباره جواب نظري على الكثير من إشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل.

كما يعتبر أيضا نموذجا عمليا تجسد فعليا في سلوك رواد الحركة الوطنية المغربية وإليه يرجع الفضل الكبير في النجاح المدهش الذي سجلته على الاحتلال.

ويعتبر صاحب الكتاب العلامة محمد إبراهيم الكتاني من مؤسسي الحركة الوطنية بالمغرب عرف بدعوته لإحياء الاجتهاد واشتهر بمواقفه ودراساته عن أعلام الاجتهاد في الإسلام لاسيما عن ابن حزم الظاهري.

وحرصت اللجنة المشرفة على تقديم الترتيب الأصلي للمحاضرات مع إضافة عناوين لها حتى يسهل على القارئ الاستفادة من هندسة الكتاب الذي يقع في أزيد من 200 صفحة.

الإصلاح

 


أبو المزايا، أستاذ الأجيال، إمام علامة بحاثة مشارك، أحد مؤسسي الحركة الوطنية بالمغرب، والمجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي، ورواد إحياء التراث المغربي.
ولد بفاس يوم الجمعة 10 رمضان عام 1325، وأخذ بها عن والده الشيخ أبي العباس أحمد بن جعفر الكتاني، وعمه محمد بن جعفر الكتاني، وابني عمه محمد الطاهر بن الحسن الكتاني، وعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، وأحمد بن الجيلاني الأمغاري، وأحمد بن المأمون البلغيثي، وأبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي، ومحمد بن العربي العلوي، والطائع ابن الحاج السلمي…وغيرهم.
كما تحصل في الرواية على إجازات من عدة أعلام؛ كوالده وعمه المذكورين، وأحمد بن محمد ابن الخياط الزكاري، وعمر بن حمدان المحرسي، وأحمد بن حسن العطاس الباعلوي…وغيرهم.
وبعد انتهائه من الدراسة بجامعة القرويين رفضت السلطات الفرنسية منحه درجة العالمية نظرا لمواقفه الجهادية ضد الاستعمار، ولم يتحصل على تلك الشهادة إلا بعد الاستقلال، وذلك عام 1376/ 1957، وكتب على ظهرها وزير التربية الوطنية حينه: “نجح حامل هذه الشهادة في امتحان العالمية، ومنع منها لأفكاره الوطنية إلى أن حق الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا!”.
كان المترجم نهما على المطالعة ومجالسة العلماء منذ الصغر، بحيث تعرف إلى طبقة شيوخ شيوخه فمن دونهم، وأخذ عن الواردين من العلماء على المغرب.
وكان – بالرغم من نشاطه الجهادي الوطني آتي الذكر – بحاثة منقبا عن المخطوطات والتراث المغربي، بحيث يعود له الفضل – هو وزمرة من العلماء كمحمد بن عبد الهادي المنوني ومحمد بن أبي بكر التطواني وشيخهم الشيخ عبد الحي الكتاني – في إحياء الكتاب المغربي والتعريف به، والتنقيب عن المكتبات المغربية النائية، والتعريف بمحتوياتها، بل وتحقيق جملة من كتب التراث.
إضافة إلى رحلاته المتكررة إلى الجزائر وتونس ومختلف دول أوروبا – خاصة إسبانيا – منقبا عن ذخائر الكتب المغربية والأندلسية والإسلامية، ناسخا لها، وواصفا لمضمونها، بحيث يكاد يكون أول والج لهذا الميدان بتلك السعة في المغرب.
كما شارك الشيخ أبو المزايا في مختلف المؤتمرات العلمية والثقافية في العالم، وألقى محاضرات تعريفية بالإسلام، وكيفية الحفاظ على النص القرآني، وتاريخ الفقه والفكر الإسلامي، وفلسفة التشريع، والتارث والكتاب العربي والمغربي والإسلامي.
وكان للمترجم نشاط كبير في التدريس ونشر العلم، ابتداء بالمدارس الحرة التي أسسها أو شارك في إدارتها والتدريس فيها؛ كمدرسة المنية، والمدرسة الناصرية وغيرهما، والتي كان المقصود منها صد الهجمة الثقافية الأوروبية على المغرب. وانتهء بتدريسه بمختلف كليات وجامعات مغرب ما بعد الاستقلال، وإشرافه على العشرات من الدراسات الجامعية التي أقيمت في ذلك الحين.
وكان الشيخ أبو المزايا أحد كبار المجاهدين ضد الاستعمار الفرنسي، ابتداء بتأسيس الحركة الوطنية في منزل ومكتب والده عام **، عند اجتماعه هو وعلال الفاسي، ومحمد غازي، وتعاهدهم على المصحف الشريف على العمل على استقلال البلاد وطرد العدو المستعمر، والحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية للمغرب.
ثم بربط العلاقات مع مختلف الشباب الثائر؛ كمحمد القري، وعبد العزيز ابن إدريس، والمختار السوسي، والصديق العلوي..وأضرابهم، وكان نشاطهم مبنيا على ثلاثة جوانب: جانب فكري ممثل في الحركة السلفية، وجانب سياسي ممثل في المظاهرات والعرائض وربط العلاقات مع مختلف الحركات التحررية بالعالم الإسلامي، وجانب ميداني ممثل في تكوين الخلايا التنظيمية والفدائية.
وبعدما نجح أولئك الشبان في ضم أحد القواد الذين جندتهم فرنسا لمحاربة المجاهد ابن عبد الكريم الخطابي إليه، اتسع مجال التحرك والعمل ليشمل كل القطاعات، وتم ربط الاتصال بخلايا الرباط وتطوان وغيرهما.
وساهم هؤلاء الشباب في حركة مجلة “الشهاب” التي أسسها عبد الحميد بن باديس، وكانوا من وراء الحركة التي تزعمها الشيخ عبد الحي الكتاني وجماعة من الأعيان لإدخال إصلاحات على عادات المجتمع وأعرافه التي كانت تعوقه عن التطور، خاصة بدع الإسراف والخرافات والسحر.
ولما استصدرت المندوبية السامية الظهير البربري عام 1350/ 1930، الذي يفصل البربر عن حكم الشريعة الإسلامية تمهيدا لتنصيرهم وفرنستهم؛ كانت الحركة الوطنية قد استوت على ساقيها وأصبحت قادرة على مواجهة المشاريع الاستعمارية جهارا لا في الخفاء. فنظمت في فاس وسلا والرباط وغيرها حركة احتجاجية، وشنت حملة دعائية معادية لفرنسا في الشرق والغرب، أضرت بسمعتها وأوقفتها في قفص الاتهام.
ومن أهم الأعمال الوطنية التي أسهم فيها: السعي في إنشاء صحافة عربية حرة، حرم المغاربة من إنشائها منذ دخول الاستعمار، لتواجه سموم الصحافة الرسمية؛ خاصة “السعادة”، فأسس رفقة الأستاذ سعيد حجي، والأستاذ محمد اليزيدي لجنة المطالبة بحرية الصحافة، التي أنشأتها كتلة العمل الوطني في شهر سبتمبر 1936/ 1356.
كما ربط الاتصال بين الحركتين الوطنيتين بالمغرب والجزائر، التين كانت تمثلهما كتلة العمل الوطني المغربي، وجمعية علماء المسلمين الجزائريين، وفي هذا الإطار قام المترجم برحلة أولى إلى تلمسان لحضور المؤتمر الخامس لطلبة شمال إفريقيا المسلمين، المنعقد بها عام 1935/ 1355، ثم دعته الجمعية إلى حضور مؤتمرها السنوي بمدينة الجزائر. كما قام برحلة ثانية إليها سنة 1950/ 1370، وحضر أثناء تلك الزيارة كثيرا من المهرجانات، كما اجتمع بالعديد من قادة الرأي والسياسة بالجزائر، وعرفهم بمواقف المغاربة من أجل تحرير البلاد، وبإشارته رحل الشيخ البشير الإبراهيمي إلى فرنسا واجتمع بالملك محمد الخامس بها.
وفي كل الأحداث التي شهدها المغرب، ما بين حركة الاحتجاج على صدور الظهير البربري، إلى حركة المقاومة وظهور جيش التحرير وطرد المستعمر؛ كان الشيخ إبراهيم الكتاني إما واحدا من صناعها، وإما واحدا من المنكوبين بنارها؛ فسجن سنة 1936/ 1356، وسنة 1937/ 1357 التي قضى فيها سنتين، شطر منها بسجن كلميمة دونه في كتابه: “من ذكريات سجين مكافح”، أو: “أيام كلميمة”.ط، وفي 23 ماي 1943/ 1363 اعتقل من جديد بدعوى التستر على أعوان يعملون لحساب الألمان والطليان، ورغم توسط الملك محمد الخامس وتشفعه فيه؛ حوكم المترجم ورفيقه قاضي الدار البيضاء رشيد الدرقاوي سريا في محكمة عسكرية فرنسية، فصدر الحكم بسجنهما ثلاثة أعوام، ونفيهما سنتين، ومصادرة أملاكهما. وبسبب هذا الاعتقال؛ لم يتمكن من إمضاء عريضة المطالبة بالاستقلال المقدمة إلى الملك وممثلي دول الحلفاء يوم 11 يناير 1944/ 1364.
ولما تجددت المظاهرات والاصطدامات بالمغرب في أواخر سنة 1952/ 1373، إثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد، اعتقل إبراهيم الكتاني مرة أخرى، وعرف السجون الاستعمارية بكرامة وتاسينت وأغمالون كردوس، ولم يسرح إلا في أوائل سنة 1955 عندما لاحت تباشير انفراج الأزمة المغربية.
وبين كل سجنة وسجنة كان المترجم مثال الحركة الدائبة، ينظم الخلايا السياسية، ويحرك المشاعر الوطنية بما يكتب ويؤلف ويخطب ويلقي من دروس، ويربي من ناشئة تربية قوامها الإسلام والعروبة.
كان المترجم – رحمه الله تعالى – أحد أئمة العلم المبرزين، ورواد الثقافة الأعلام، فقد كان متضلعا من مختلف العلوم الشرعية، خاصة الأصول والفقه، سيال الذهن، قوي الحفظ والاستحضار، نابغة مقداما، ميالا للاجتهاد وأهله.
فقد كان داعية للاجتهاد ونبذ التقليد الأعمى، مع التقدير الكبير للمذاهب الأربعة وأتباعها الأولين، وتعمق في فكر ابن حزم والظاهرية وفقههم، وكتب عنه ونشر، بحيث يكاد يكون أول من عرف بالإمام المذكور في العالم الإسلامي في وقته، وجمع طبقات المجتهدين وأعداء التقليد فضمن منهم خمسة آلاف ترجمة في خمسة مجلدات، تعد أكبر موسوعة في تاريخ الاجتهاد والمجتهدين.
كما يعد الشيخ إبراهيم الكتاني أحد رواد السلفية المعاصرة بالمغرب، غير أنه – في العموم – حصين مما وقعت فيه من أفكار تثاخن العلمانية، حارب من أجل أفكارها، ونشر مبادئها، وشن حربا ضروسا على كل ما كان يعتبره بدعة وخرافة، وألف في سبيل ذلك ونشر، وألقى محاضرات في مختلف المناسبات. بحيث يعد على رأس الطبقة التي تلت أبا شعيب الدكالي وابن العربي العلوي، مع تميزه بالاستقامة، وسعة المعرفة، والتأليف والتصنيف.
وقد كان – رحمه الله – داعية إلى تعريب التعليم والدوائر الرسمية، ألف في سبيل ذلك ونشر، ووقع على العرائض المطالبة بذلك، كما كان من كبار الداعين إلى أسلمة القوانين المغربية، وتطبيق الشريعة الإسلامية، ويعتبر أن المغرب لن يستقل استقلالا حقيقيا إلا بأسلمة قوانينه، والرجوع إلى دينه الحنيف، ونشر في سبيل ذلك، وألف “النظرية العامة للشريعة الإسلامية”، وضمن تلك الأفكار مختلف الكتب والمقالات التي نشرها في مختلف المجلات والجرائد، أو حاضر بها في مختلف المناسبات والمؤتمرات.
كما كان عابدا زاهدا في الدنيا ومناصبها، بعيدا عن الدعوى والشهرة، والمناصب الزائفة، بحيث لم يتقلد طول عمره سوى المناصب العلمية والدعوية، أو الجهادية، بل توفي وهو لا يملك حتى منزله الذي يقطنه. الأمر الذي جعله أحد العلماء الزهاد الذين لا يرجون من علمهم وعملهم سوى رضا الله تعالى.
تقلد الشيخ أبو المزايا عدة مناصب – إضافة إلى إدارته لعدة مدارس وطنية أثناء الاستعمار – منها: إمام وواعظا بمسجد بوعقدة بفاس، وواعظا بجامع القرويين قبل صلاة الظهر بكتاب “الترغيب والترهيب”. ثم محافظا بقسم المخطوطات بالخزانة العامة بالرباط بعد الاستقلال، مع متابعته لنشاطه السياسي بحزب الاستقلال الذي كان عضوا في لجنته المركزية وجلسه الوطني، ومنذ ذلك الحين أسدى لوطنه المحرر خدمات جلى في ميادين السياسة والعلم، بمثل التفاني الذي قدم به إليه تضحيات وهو محتل.
وقد عين في العديد من اللجان الحكومية التي أسست للنظر في إصلاح التعليم والتشريع، كما مثل المغرب في العديد من المؤتمرات والمناظرات والتجمعات الثقافية التي عقدت في الداخل والخارج. كما كان أستاذا محاضرا بكليتي الحقوق والآداب بالرباط وفاس، والمدرسة الإدارية، ثم عين عضوا في الأكادمية الملكية المغربية.
“وبحكم خبرته الطويلة وتمرسه بالقضايا؛ صار كعبة تهوي إليها أفئدة الباحثين والدارسين في الشؤون المغربية والأندلسية، والمعتنين بجوانب متميزة من أمور الثقافة الإسلامية؛ كالحركة السلفية، والمذهب الظاهر الذي يعد أكبر متخصص فيه في العالم الإسلامي”…على حد قول الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور.
وللمترجم – رحمه الله – مقالات وبحوث عديدة منشورة في كثير من الصحف والمجلات المغربية والمشرقية، ولا تمر مناسبة أو تحل ذكرى دون أن يدعى للكتابة عنها أو الحطاب فيها، كما أن له عشرات المؤلفات أكثرها مخطوط. “وتمتاز آثاره بدقة البحث، ووفرة المعلومات، ونصاعة الأسلوب” كما قال ابن منصور.
ومن أهم مؤلفاته: “طبقات المجتهدين وأعداء التقليد في الإسلام”، في خمسة أجزاء، ألفه في خمسين عاما، و”الدعوة إلى استقلال الفكر في الإسلام” في مجلدين، و”فضل جامعة القرويين في الدفاع عن السيادة الوطنية خلال العصور” في مجلدين، و”النظرية العامة للشريعة الإسلامية” في جزأين، و”كيف استطاع المسلمون المحافظة على النص القرآني” في مجلد، و”مؤلفات ابن حزم بين أنصاره وخصومه”.ط، و”الكتاب المغربي وقيمته”.ط، و”سلفية الإمام مالك”.ط، و”والدي كما عرفته” في مجلد، و”أبو شعيب الدكالي وطلائع الحركة السلفية بالمغرب” مجلد، و”اختصار البدور الضاوية في أعلام الزاوية الدلائية” للحوات، و”اختصار المزايا فيما أحدث من البدع بأم الزوايا” للناصري، و”اختصار الدواهي المدهية للفرق المحمية” لجده الشيخ جعفر الكتاني، وحاشية على شرح الشيخ محمد بن عبد القادر بناني على استمارة الشيخ الطيب ابن كيران…وغير ذلك.
ومن أبرز الآخذين عنه: حفيد عمه محمد المنتصر بالله بن محمد الزمزمي الكتاني، وابن عمه إدريس بن محمد الكتاني، وعبد الوهاب ابن منصور، وعبد الهادي بوطالب، ومحمد الحبابي، ومحمد بن شقرون…وغيرهم.
ما توفي الشيخ إبراهيم الكتاني حتى كان إلى جانب ابن عمه محمد المنتصر بالله الكتاني أوحد الكتانيين علما، وكانت وفاته فجأة بمنزله بالرباط، يوم الأحد 29 جمادى الأولى عام 1411/ 1990، وشيع في جنازة مهيبة إلى مثواه الأخير بروضة الشهداء بمقبرة العلو بالرباط. وقد أفرده ابن حفيد عمه د. علي بن المنتصر الكتاني بكتاب جمع فيه أهم ما قيل فيه وكتب عنه، وبعض أبحاثه ورسائله في مجلد سماه: “العلامة المجاهد محمد إبراهيم بن أحمد الكتاني: حياة علم وجهاد”. طبع بمطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء.

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق