مقالات رأي

القدس روح الأمة.. لندافع عنها بقوة

القدس أكبر مدن فلسطين التاريخية من حيث المساحة وعدد السكان، وأكثرها أهمية دينياً وثقافياً واقتصادياً… وهي عاصمة لدولة فلسطين. تقع في قلب فلسطين ووسطها، وتبعد نحو 60 كلم شرق البحر المتوسط، ونحو 35 كلم غرب البحر الميت، و250 كلم شمالاً عن البحر الأحمر، وتبعد عن عمّان 88 كلم غرباً، وعن بيروت 388 كلم جنوباً، وعن دمشق 290 كلم جنوب غرب.

يرجع تاريخ مدينة القدس إلى أكثر من خمسة آلاف سنة، وهي بذلك واحدة من أقدم مدن العالم، وتدل الأسماء الكثيرة التي أطلقت عليها على عمق هذا التاريخ، فقد أطلقت عليها الشعوب والأمم التي استوطنتها أسماء مختلفة. فسماها الكنعانيون الذين هاجروا إليها في الألف الثالثة قبل الميلاد “أورساليم”، وتعني مدينة السلام. واشتقت من هذه التسمية كلمة “أورشليم” التي تنطق بالعبرية “يروشاليم” ومعناها البيت المقدس. ثمّ عرفت في العصر اليوناني باسم “إيلياء” ومعناه بيت الله.

وخضعت المدينة للنفوذ المصري الفرعوني، ثمّ للحكم اليهودي الذي دام 73 عاماً، وبعد ذلك، توالت عليها الممالك، بداية مع الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني الذي طرد اليهود منها، والإسكندر الأكبر، والإمبراطورية الرومانية، التي أعلنت المسيحية ديانة رسمية للدولة في سنة 326 للميلاد، فكانت نقطة تحول بالنسبة لمسيحيي القدس حيث بُنيت كنيسة القيامة. واحتلها الفرس لفترة وجيزة، ثمّ استعادها الرومان، وظلّت بأيديهم حتى الفتح الإسلامي سنة 636 للميلاد (15 للهجرة)، حين دخلها الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وكتب “العهدة العمرية”، وهي وثيقة منحتهم الحرية الدينية مقابل الجزية، وغيَّر اسم المدينة من إيلياء إلى القدس، ونصت الوثيقة ألا يساكنهم أحد من يهود.

واتخذت القدس منذ الفتح الإسلامي طابعها الإسلامي، واهتم بها الأمويون ومن بعدهم العباسيون، وشهدت نهضة علمية في مختلف الميادين، ومن أهم الآثار الإسلامية في تلك الفترة مسجد قبة الصخرة الذي بناه عبد الملك بن مروان. وخضعت للاحتلال الصليبي خلال الفترة 1099-1187، حتى حررها صلاح الدين الأيوبي.

وفي كانون الأول/ ديسمبر 1917 احتل الجيش البريطاني القدس، ومنحت عصبة الأمم بريطانيا حقّ الانتداب على فلسطين، وأصبحت القدس تحت الانتداب البريطاني (1920-1948)، ومنذ ذلك الحين دخلت المدينة في عهد جديد كان من أبرز سماته زيادة أعداد المهاجرين اليهود إليها. وفي سنة 1948 أعلنت بريطانيا إنهاء الانتداب في فلسطين وسحب قواتها، فاستغلت العصابات الصهيونية حالة الفراغ السياسي والعسكري وأعلنت قيام الكيان الصهيوني.

وفي 3/12/1948 أعلن رئيس الوزراء الصهيوني ديفيد بن غوريون أن “القدس الغربية” عاصمة للكيان الصهيوني، في حين خضعت “القدس الشرقية” للسيادة الأردنية حتى هزيمة حزيران/ يونيو 1967، التي أسفرت عن ضمّ القدس بأكملها إلى الاحتلال الصهيوني.

قبل الاحتلال البريطاني لم تكنْ هناك سوى قدس واحدة، هي تلك التي تحيط بها أسوار السلطان سليمان القانوني وبناها في منتصف القرن العاشر الهجري، إضافةً إلى مجموعة من الأحياء أقامها العثمانيون خارج سور القدس في الشمال والشرق والجنوب، مثل حي الشيخ جراح في الشرق، وحي المسعودية في الشمال… وفي أثناء الاحتلال البريطاني تلاعب المندوبون الساميون بالحدود البلدية للمدينة المباركة، فركَّز رسمهم لحدود بلدية القدس على التوسّع جهة الغرب عدة كيلومترات؛ حيث الكثافة السكانية لليهود أعلى، أمّا في الجنوب والشرق حيث السكان عرب فلم يتجاوزْ الامتداد بضع مئات من الأمتار، فمُنِعت قرى عربية كبيرة من الدخول ضمن الحدود البلدية للقدس، وهي قرى: الطور، ودير ياسين، وسلوان، والعيسوية، والمالحة، وبيت صفافا، وشُعفاط، ولَفتا، وعين كارم.

ويخوض الفلسطينيون مع الاحتلال الصهيوني حرباً ديموغرافيّة في المدينة، وتحاول بلدية الاحتلال، ومن خلفها الحكومة والمنظمات الاستيطانية، زيادة عدد اليهود بطرق عدة، منها إحلالهم محلّ العرب الذين هدّمت منازلهم بدعوى البناء دون تصريح، وسحب الهويات من المقدسين، وإبعادهم عن المدينة المقدسة. وبالرغم من كل ذلك، تبيّن الإحصائيات أن نسبة السكان من اليهود تتراجع تدريجياً بينما نسبة العرب في ازدياد مطّرد، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة، منها أن نسبة الولادات عند العرب أعلى، وإلى هجرة بعض اليهود إلى مدن وبلدان أخرى.

وبحسب التعداد السكاني في بداية سنة 2021 فقد بلغ عدد سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي نحو مليون نسمة، وقدرت الإحصائيات الصهيونية أن 62% من سكان المدينة يهود، بينما يصل عدد العرب المسلمين والمسيحيين إلى 38%، فيما ذكر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عدد الفلسطينيين في محافظة القدس يبلغ 471,834 في سنة 2021.

ويحاول الصهاينة صُنع هوية للمدينة تنمحي معها هويتها الإسلامية، فتبدو الأغلبية السكانية اليهودية كاسحة، وتصبح مساحة الأرض التي يسيطر عليها العرب صغيرة جدّاً بالنسبة لما يسيطر عليه اليهود. وتجلى ذلك المشهد مع مشروع “القدس الكبرى”، والذي يستهدف تطويق الأحياء العربية في المدينة القديمة، وفصلها عن الأحياء العربية القائمة خارج السور؛ لإجبار العرب على معيشةٍ صعبة تذوب هويتهم معها، أو يضطرون إلى الهجرة من بيوتهم وأوطانهم.

حراك القدس لنا

أخبار / مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى