دراسة أكاديمية تدعو إلى ثورة قيمية في منظومة التكوين المهني تربط المسؤولية بالمحاسبة

خلصت دراسة أكاديمية إلى أن نجاح إصلاح قطاع التكوين المهني بالمغرب لا يتوقف عند الجوانب التقنية والتنظيمية فحسب، بل يمتد ليشكل تحولا أخلاقيا وقيميا عميقا في فلسفة التدبير العمومي.
وأكدت الدراسة التي أنجزها الباحثان مها بولارطال وجمال تسولي مستايكد من كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ونُشرت في يونيو 2026، أن الانتقال من الإدارة التقليدية الممركزة إلى نموذج الحكامة التشاركية يجسد التزاما أخلاقيا جديدا يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويضع “المصلحة الفضلى للمتعلم” في قلب السياسات العمومية لضمان حقه الدستوري في تكوين ذي جودة يفتح آفاق العيش الكريم.
وأبرزت الدراسة – التي رصدت مسار التحولات المؤسساتية وإعادة هيكلة الحكامة- أن اعتماد مبادئ “التعاقد والشفافية” كركائز أساسية في الاستراتيجيات الجديدة يمثل قطيعة قيمية مع منطق “شحن الذاكرة” والتسيير الإداري الجامد، نحو بناء منظومة تعليمية تُنمي كفايات القرن الحادي والعشرين وتُرسخ قيم الاستقلالية والمبادرة لدى الشباب.
واعتبر الباحثان أن النهوض بقطاع التكوين المهني هو في جوهره استثمار في “الرأسمال القيمي” للمجتمع، حيث تسعى الإصلاحات الحالية إلى تغيير النظرة النمطية الدونية تجاه هذا القطاع، وتحويله من “ملاذ أخير للفشل الدراسي” إلى اختيار إرادي ومسار للتميز يضمن التمازج والترقي الاجتماعي.
وفي سياق متصل بالعدالة المجالية، لفتت الدراسة الانتباه إلى أن تجربة “مدن المهن والكفاءات” لا تقتصر على تحديث البنيات التحتية، بل تحمل أبعادا أخلاقية تروم تحقيق “الإنصاف الترابي” عبر ملاءمة العرض التكويني مع الخصوصيات الاقتصادية لكل جهة.
هذا التوجه القائم على “التمييز الإيجابي” لصالح المناطق والجهات الهشة يكرس، حسب الدراسة، التزام الدولة بتوفير تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وهو ما ينسجم مع مرجعيات النموذج التنموي الجديد الذي يراهن على المدرسة كبوتقة لبناء مواطنة مسؤولة ومشبعة بالقيم الإنسانية المتجذرة في الثقافة المغربية.
وخلصت الدراسة إلى أن استمرار “فجوة المهارات” يمثل تحديا أخلاقيا يستوجب تعبئة مجتمعية شاملة وانخراطا مسؤولا من قبل المقاولات والقطاع الخاص في صياغة البرامج التكوينية.
وشدد الباحثان على أن الانتقال نحو “الحكامة الاستباقية” يتطلب ميثاقا أخلاقيا جديدا بـين الدولة والمقاولة والمجتمع، يضمن عدم هدر الزمن التنموي للشباب ويحول التكوين المهني إلى رافعة حقيقية للتحول الديمقراطي والازدهار الاقتصادي المستدام، بعيداً عن الحلول الظرفية أو التجزيئية التي أثبتت التجارب السابقة محدوديتها.




