تأملات تفسيرية في قوله تعالى: “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ” – علي محمد الصلابي

أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يبني الكعبة المشرفة بيت الله الحرام، فتوجّه إلى مكة، حيث يقيم ابنه إسماعيل عليهما السّلام، وقال له: إن الله يأمرني بأمر، قال: إسماعيل: اصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: إسماعيل: وأعينك، قال: إن الله أمرني أن ابني هاهنا بيتاً وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (صحيح البخاري، رقم: 3363).
وقد أشارت آيات القرآن الكريم إلى بناء إبراهيم وإسماعيل – عليهما السّلام – لبيت الله الحرام (الخالدي، 1/43). قال الله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127].
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الكعبة قد بنيت قبل إبراهيم – عليه السّلام – وكان فعل إبراهيم وإسماعيل هو تجديد بناء الكعبة وليس إنشاؤه؛ لأنّ الكعبة قد بنيت من قبل، لكن بقيت أساساتها، فرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد على تلك الأساسات.
وذهب علماء آخرون إلى أن الكعبة لم تبن قبل إبراهيم وإسماعيل، وما كان أحدٌ قبلهما يعلم أن من مكانها كعبة، وأنها كانت مبنية ثم هُدمت، ولو كانت مبنية ثم هدمت لعلم العرب ذلك، وتناقلوه في بلادهم في الحجاز واليمن ونجد، وبما أنهم لم يتناقلوا ذلك فهو دليل على أن الكعبة لم تكن مبنية من قبل، وإبراهيم وإسماعيل – عليه السّلام – هما أول من بنيا الكعبة.
لا توجد أحاديث صحيحة تتحدث عن بناء الكعبة قبل إبراهيم – عليه السّلام – وكل ما يعتمد عليه أنصار القول الأول، إنما هو أخبار وروايات لم تثبت ولم تصح حديثياً، ولذلك لا تعتمد ولا تدل على ما يراد بها في موضوع النزاع (الخالدي، 1/407).
ومن أراد معرفة ملابسات بناء الكعبة فعليه بالوقوف أمام الآيات القرآنية التي تحدثت عن ذلك، فقد اعتمد أنصار القول الأول على ظاهر قوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} ]الحج:26[، وعلى ظاهر قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ]البقرة:127[، فقالوا: إن مكان البيت كان موجوداً قبل إبراهيم ولكنه كان مخفياً مطموراً؛ لأنّ البيت كان مهدوماً وبوأ الله لإبراهيم مكان البيت ودلّه عليه، وأرشده إليه، وعرّفه على أساساته، فقام هو وإسماعيل يرفع القواعد على تلك الأساسات، ولا نرى الآيتين تدلان على ما يقولون، فقوله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ}، يدل إبراهيم على هذه المنطقة التي سيبنى عليها البيت وهيّأها له، وأمره ببناء البيت في ذلك المكان الذي حدّده له سبحانه، والذي سيعلم منذ الأزل أنه سيكون فيه بيته المحرم والذي جعله أقدس وأشرف بقعة في الأرض.
لما بوأ الله لإبراهيم مكان البيت وأمره ببنائه، نفّذ إبراهيم أمر ربه، فأرسل مع إسماعيل أساسات البيت، وبعد ذلك قاما برفع قواعده فقوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، يتحدث عن المرحلة الثانية من مراحل بناء الكعبة، ويسكت عن المرحلة الأولى ولا يستنبط منه أن الأساسات قد بنيت قبلهما، ونظراً لعدم وجود أحاديث صحيحة حول بناء البيت قبل إبراهيم فإننا نبقى مع ظاهر الآيات، ونقول: إبراهيم وإسماعيل – عليهما السلام – هما أول من بنيا الكعبة، وأن الكعبة لم تُبن قبلهما والله أعلم (الخالدي، 1/408).
وحول هذا المعنى، يقول الإمام ابن كثير: أمر الله إبراهيم – عليه السّلام – أن يبني له بيتاً، يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السماوات، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السماوات والأرض، كما ثبت في الصحيحين: إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة (ابن كثير، ص 152-153).
ولم يجيء في خبر صحيح عن المعصوم أن البيت كان مبنياً قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله: {مَكَانَ الْبَيْتِ} فليس بناهض ولا ظاهر؛ لأنّ المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدره، المعظم عند الله موضعه، من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبّة، وأن الملائكة قالوا له: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يوماً أو نحو ذلك، ولكن كل هذه الأخبار من بني إسرائيل، وقد قرّرنا أنّها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردّها الحق فهي مردودة (ابن كثير، ص 152-153).
والقول ببناء الملائكة للكعبة ليس عليه دليل صحيح، وكذا بناء آدم عليه السلام لم يثبت فيه شيء ولا يستطيع أحد أن يجزم به، وكذا بناء شيت بن آدم عليه السلام، وكذا بناء قصي بن كلاب، وإن ذكره بعض المؤرخين إلا أنه لا يعتمد فيه على مجرد الذكر، ولا يثبت بناء عبد المطلب للكعبة (الدوسري، ص 31-32)، والقول الراجح في بناء الكعبة قبل الإسلام.
إن الثابت أن الكعبة بنيت قبل الإسلام أربع مرات فقط، وهي على النحو الآتي:
– بناء إبراهيم عليه السلام وهو أول بناء للكعبة المشرفة.
– بناء العمالقة.
– بناء جُرهم.
– بناء قريش، وكان ذلك قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، حيث اشترطوا: ألا يُدخلوا في بنائها مالاً حراماً، فقصرت بهم النفقة الطيبة على إكمال البناء فأنقصوا من جهة الحجر ستة أذرع وشبراً أي: حوالي ثلاثة أمتار وربع (الدوسري، ص 33).
وأداروا عليه جداراً قصيراً؛ ليطوف الناس من ورائه، وأحدثوا بعض التغيرات فيها، فزادوا ارتفاعها إلى 18 ذراعاً، وسقفوها، ولم تكن من قبل مسقوفة، وجعلوا لها ميزاباً من خشب، وسدّوا الباب الغربي، ورفعوا الباب الشرقي على مستوى الأرض، حتى يدخلوا فيها ما شاؤوا ويمنعوا ما أرادوا، وقد شاركهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا البناء، وكان يحمل معهم الحجارة.
ولما انتهى البناء وأرادوا وضع الحجر الأسود، وقع بينهم نزاع شديد كل قبيلة تريد أن تحظى بشرف وضع الحجر في مكانه ورضوا أن يحكم فيهم أول داخل إلى البيت وكان الداخل هو النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأخذ الحجر ووضعه على رداء وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف منه فرفعوه، وقام صلّى الله عليه وسلّم بوضعه مكانه وأنهى بهذه الحكمة السامية نزاعاً كاد أن يمزق وِحدتهم ويودي بحياة عدد كبير منهم (الدوسري، ص 34).
وبنيت الكعبة بعد الإسلام ثلاث مرات فقط، وهي على النحو الآتي:
– بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
– بناء الحجاج بن يوسف الثقفي.
– بناء السلطان مراد خان (الدوسري، ص 36).
- {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ}:
أيّ: اذكر عندما كان إبراهيم وإسماعيل عليه السلام يبنيان البيت الحرام على قواعده وأساسه فالقواعد جمع قاعدة وهي الأساس ورفع القواعد: البناء عليها.
وليس في الآية تصريح بمن وضع القواعد، هل كان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أم كانت موجودة قبلهما، الله سبحانه أعلم، لكن الحديث الشريف يشير إلى إبراهيم عليه السلام، فعن عائشة رضي الله عنها: “أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: أَلَمْ تَرَيْ أنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عن قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؟ فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَلَا تَرُدُّهَا علَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ؟ قالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بالكُفْرِ لَفَعَلْتُ” (صحيح مسلم، رقم: 1333) (مصطفى مسلم، 1/194).
ويكشف لنا السّياق القرآني في الآية الكريمة عن فعل إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة ويرينا إياهما كما لو كانت رؤية العين لا رؤيا الخيال، إنهما أمامنا حاضران، نكاد نسمع صوتهما يبتهلان (سيد قطب، 1/114).
- {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}:
فنعمة الدعاء، وموسيقى الدعاء، ووجود الدعاء، كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة حية شاخصة متحركة وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل، رد المشهد الغائب الذاهب، حاضراً يسمع ويرى ويتحرك ويشخص وتفيض منه الحياة.
إنها خصيصة التصوير الفنيّ بمعناه الصادق، اللائق بالكتاب الخالد وفي ثنايا الدعاء، أدب النبوّة، وإيمان النبوّة وشعور النبوّة بقيمة العقيدة في هذا الوجود، وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء.
وفي قوله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} إنه طلب القبول، هذه هي الغاية، فهو عمل خالص لله، الاتجاه به قنوت وخشوع إلى الله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول والرجاء في قبوله، متعلق بأن الله سميع للدعاء عليم بما وراءه من النية والشعور (سيد قطب، 1/114).
وفي الآية نلاحظ برّ الابن لأبيه، والمعاونة في فعل الخير ونظر العبد المؤمن لعمله بعين النقص مهما كان، تواضعاً لله وفراراً من الاغترار والعجب، وأهمية أحكام البناء بتأسيسه على قواعد (المنجد، ص 221).
تبيّن الآية الكريمة أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كانا يعملان وهما في حالة خشوع وخضوع لله عزّ وجل يستشعران أنهما يقومان بعبادة من أعظم العبادات ويتقربان إليه تعاني بقربة من أجل القربات، ومع ذلك فخشية الله تعالى تملأ قلبهما حتى إنهما يسألانه أن يتفضل بقبول عبادتهما، فما أعظم خشوعهما وخضوعهما عليهم السلام، ومع كل هذا الخضوع والخشوع يسألانه سبحانه المزيد منه، فكمال الإنسان بكمال عبوديته لله تعالى واستسلامه لأمره وحكمه (مصطفى مسلم، 1/194).
كما تبيّن الآية الكريمة معرفة إبراهيم وإسماعيل بالله عزّ وجل من خلال أسمائه الحسنى، وتعلمنا كيفية التعامل مع اسمه السميع العليم، مع توكيدهما بأن الله يسمع ويعلم حال جميع مخلوقاته سبحانه وتعالى.
وقد قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}: وهاتان الصفتان مناسبتان هنا غاية التناسب، إذ صدر منهما عليهما السلام عمل وتضرع، فهو سبحانه {السَّمِيعُ} لضراعتهما، وهو سبحانه {الْعَلِيمُ} بنيّاتهما في إخلاص العمل (أبو حيان الأندلسي، 1/388).
المصادر والمراجع:
- الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، دار القلم، دمشق – الدار الشامية، بيروت، ط1، 1419ه، 1998م.
- ابن كثير. قصص الأنبياء، دار الفيحاء، دمشق، ط1، 1421ه، 2001م.
- الدوسري، محمود أحمد. الكعبة المشرفة، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط1، 2017م.
- مصطفى مسلم وآخرون. التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، نخبة من كبار علماء القرآن وتفسيره بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى مسلم، كلية الدراسات العليا والبحث العلمي، جامعة الشارقة، الإمارات العربية، 2010م.
- سيد قطب. في ظلال القرآن، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.
- المنجد، محمد صالح. تفسير الزهراوين البقرة وآل عمران، دار العبيكان، الرياض، ط1، 2016م.
- أبو حيان الأندلسي. البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت، ط1، 1420 ه.





